طموح الآباء والأمهات للأبناء كبير جدا، ويفضلون دائما بالدرجة الأولى أن يروا أبناءهم يمارسون الطب، وطموحهم حق مشروع، لكن ممارسة الضغط على الأبناء بشكل غير مباشر من أجل أن يكونوا أطباء لن تخدم أجيالنا القادمة على الإطلاق.

ما نريده في هذه المرحلة هو تحقيق الجودة في الخدمات الصحية وصناعة الفرص للأكفاء، وهذا لن يتحقق ما دامت نسب قبول دراسة التخصصات الصحية عالية، مقابل ضعف إمكانات بعض الكليات الصحية ومخرجاتها، سواء كانت خاصة أو حتى حكومية. الضغط الاجتماعي الذي نمارسه على الجامعات في زيادة أعداد القبول في التخصصات الصحية غير مبرر، مع العلم أن نسب القبول في التخصصات الصحية بالنسبة للعدد الكلي المتقدمين للجامعات تعتبر رقما كبيرا إلى حد ما.

ومع الأسف أن بعض الجامعات الناشئة حملت على عاتقها تدريس الطب وتخصصاته كافة، وبدأ السباق الأكبر بين هذه الجامعات الناشئة حول من سيقبل أكبر عدد! حتى أصبحت كلية الطب في الجامعة بمثابة "البرستيج".

أما الكليات الصحية الخاصة فهذه أحد أهم الأسباب في ضعف خدماتنا الصحية. وأعتقد أن قرار وزير التعليم بإيقاف منح التراخيص للكليات الصحية الأهلية في غاية الأهمية، وستفرح به وزارة الصحة كثيرا، وسيفرح المجتمع أكثر.

أحد العمداء السابقين لكلية طب بجامعة أهلية، يقول لي إنه لم يستطع إكمال عقده في الجامعة الخاصة بعد أن تفاجأ نهاية السنة بأن حرمان الطالب في كلية الطب لديهم يكون بنسبة غياب 70 % فما فوق، فهل ستثق بهذه الجامعة ومخرجاتها؟!

وزارة الصحة تستحق كوادر مؤهلة تماما حتى تستطيع أن تنهض بالخدمات الصحية، ولكن وقعت في مأزق مُخرجات الجامعات الحكومية الناشئة والخاصة كذلك، ومعدلات بمرتبة الشرف، أما خريجو التخصصات الصحية من جامعة الملك سعود وما حولها فأصبحوا غير ملفتين، ببساطة لأنهم تحت رحمة عراقة هذه الجامعات التي تحرص على جودة مخرجاتها.

نسب القبول في ألمانيا للتخصصات الصحية والتي تعتبر من الدول الرائدة في الطب 8 آلاف مقبول من أصل 37 ألف متقدم للتخصصات الصحية، على الرغم أن عدد السكان يتجاوز 80 مليون نسمة، لذلك الجامعات الألمانية تحرص على تحقيق الجودة في إطار طاقة استيعابية معروفة ومحددة، ولكن نحن لم نفهم ذلك بعد، نريد جودة في الخدمات الصحية مع عدم تقدير الطاقة الاستيعابية للكليات الصحية. يجب على الجامعات الحكومية الكبرى كجامعة الملك سعود، أن تكون صارمة بشأن القبول في التخصصات الصحية، وأن تجابه كل الضغوطات من جميع الجهات، وعلى مديري الجامعات الناشئة أن يخلعوا عباءة "برستيج" الطب.