بعد ثلاث سنوات من العمل خارج منطقة الرياض تم نقلي للعمل مدرسا للتربية الإسلامية في ثانوية الحائر، الحي الذي نشأت وترعرعت فيه. في ذات المدرسة التي تخرجت منها. بعد يومين من بداية الدراسة زارني في المنزل أحد الإخوة العرب العاملين كمعلمي تحفيظ قرآن في الحيّ. كان هدف الزيارة واضحا ومباشرا فهذا الرجل قد أشرف على مدى عدة سنوات على مجموعة من الطلاب هم اليوم في سنتهم الأولى في المرحلة الثانوية. طلب مني الرجل مراقبة هذه المجموعة في المدرسة والحرص على عدم اختلاطهم بغيرهم من الطلاب الفاسدين. هو يراقبهم في الخارج ويحتاج إلى من يراقبهم في داخل المدرسة. كان الهدف هو الحفاظ على هذه المجموعة المباركة والحد من تأثرها بغيرها من المجموعات الطلابية.
رفضت طلبه بالكامل ودخلنا في حديث مقتضب حول مفهوم التربية ومدى خطورة العزل الذي يمارس على طلاب تحفيظ القرآن وأن هذا يساهم في تعميق اغترابهم عن المجتمع كما يساهم في تعميق الفجوة بينهم وبين إخوانهم في ذات المجتمع. كنت تحدثت هنا قبل سنتين عن هذه العملية "عملية التكريس" التي تعني أن يخضع الطفل لبرنامج متكامل محكم ومكثّف من أجل تحقيق تغيير شبه جذري في نفسية وتفكير الطفل لخلق شخصية جديدة تحقق أهدافاً معينة ومحددة. هذه العملية قديمة قدم التاريخ وموجودة حتى في الثقافات البدائية ولها أكثر من هدف، فالقبائل القديمة مثلا كانت تقوم بعملية التكريس من أجل خلق مقاتلين مبكرين في حالة الحروب الطويلة. وعملية التكريس هذه ليست فقط من أجل القتال والحرب بل إنها من الممكن أن تقام للأطفال من أجل إدخالهم في تخصص أو اهتمام معين وإلزامهم بقوانينه وضوابطه. لمن أراد الاستزادة من هذا السياق يمكنه الرجوع إلى كتاب متوفر في الأسواق بعنوان "البحث عن التاريخ والمعنى في الدين" لمؤرخ الأديان ميرتشيا إلياده.
التفكير في هذا السياق يجعلنا نعيد التفكير في حلقات تحفيظ القرآن ليس بوصفها نشاطات مقدسة بقداسة القرآن بل بوصفها نشاطات تربوية واجتماعية وفكرية لها حضور وأثر كبير في مجتمعنا. حلقات التحفيظ نشاطات تربوية لا تهدف فقط إلى حفظ القرآن وإتقان قراءته بل تسعى في ذات الوقت إلى تحويل حياة الطلاب إلى تطبيق لما يحفظون وما يقرؤون. هنا ندخل إلى المساحة الأهم في العملية، المساحة الجوهرية التي يتولاها معلم الحلقة. مهمة تفسير القرآن وتفسير الأحداث ومجريات الأمور التي تحيط بالطالب. هنا يحضر المعلم ليتولى المهمة الأهم وهي تقديم القرآن بمنظوره الخاص أو بمنظور الجماعة التي ينتمي لها: إخوان ، تبليغ ، سرورية ، جامية وغيرها من الجماعات ذات الحضور على الساحة المحلية.
من هنا نفهم أيضا الصراعات التي تشتعل بين جماعات التحفيظ، فكل جماعة تحسب انتشارها من خلال سيطرتها على أكبر قدر من الحلقات. زيادة الانتشار تعني زيادة التأثير والفعالية هنا يتحول طلاب الحلقة من كونهم حفّاظ قرآن إلى ناشطين ومؤثرين في النشاطات الاجتماعية والسياسية ذات البعد الحركي. يمكن قياس هذا الأمر من خلال متابعة النشاطات العامة التي تشهد صراعات بين أطراف فكرية معينة في البلد كالمحاضرات الثقافية أو النشاطات الفنية. في هذه الأجواء يحضر طلاب حلقات التحفيظ بوصفهم عامل ضغط وتأثير ودليل على حضور وشعبية وأحيانا يتم استخدامهم للقيام بأعمال شغب معينة كما حصل في مسرح اليمامة وغيره.
حلقات التحفيظ هي القاعدة الأوسع والأكثر أهمية للجماعات الدينية ليس في مجتمعنا فقط بل في كل المجتمعات الإسلامية بل وحتى الغربية. ومن هنا يمكن تحليل المواقف الحادة من جماعات معينة حين تخسر جزءا من مساحات انتشارها. في المقابل نجد هدوءا وربما تأييدا مبطنا من جماعات أخرى تجاه أي تغير في مقياس الحلقات لا يمس مناطق انتشارها وسيطرتها.
المشكلة مع حلقات التحفيظ من وجهة نظري تكمن في قضيتين. الأولى أن أهداف الحلقات هم أطفال ليس لديهم الوعي بخلفية الصراعات الأيديولوجية والحزبية التي تدار داخل الحلقات. في ذات الوقت لا يزال يغلب على المجتمع أنه ينظر نظرة مثالية لهذه النشاطات رغم ارتفاع معدل الوعي في السنوات الأخيرة. منطق العدالة مع الأطفال يستوجب محاولة توفير بيئة محايدة وطبيعية قدر الإمكان تحفظ لهم توازنهم الفكري والنفسي وتتيح لهم المجال في اختيار أكثر حرية في المستقبل.
عمليات العزل التي تمارس على كثير من الأطفال في حلقات التحفيظ هي شكل من أشكال استغلال الطفولة الخطير ومن المفترض أن تتم مراقبته من المجتمع، وهذا ما يوصلنا إلى المشكلة الثانية وهي أنه رغم أن حلقات التحفيظ تعتبر نظاما تربويا إلا أنها لا تحقق شروطا أساسية يجب أن تتوفر في النشاط التربوي، ومن أهم هذه الشروط توضيح وإعلان كافة النشاطات والفعاليات بشكل رسمي ومعلن. أيضا تحقيق شروط تربوية محددة في من يتولى التعليم في هذه النشاطات. اليوم باعتبار ضعف المردود المادي المباشر لمدرسي الحلقات فإن كثيرا ممن يشتغل فيها لا يتمتعون بتأهيل تربوي يسمح لهم بتولي هذه المهمة.
قد يكون معلم الحلقة متقنا لقراءة القرآن ولكن هل لديه تأهيل يسمح له بممارسة التعليم: تأهيل أكاديمي ونفسي وثقافي تجعل منه كفوا لمهمة تنشئة الأطفال؟ هذا سؤال مهم يجب طرحه اليوم بشكل مكثف بعيدا عن صراعات الأحزاب التي لا يهمها سوى الحصول على أتباع وجنود في معاركها التي يأتي الإنسان الفرد في آخر أولوياتها بل من السهل التضحية به في مقابل مكاسب سياسية تخدم القيادات والمنتفعين ويخرج منها أغلب الناس ولا ننسى أننا نتحدث هنا عن أطفال يجب أن تكون حمايتهم أولى الأولويات.