تجتهد بلديات المدن والهجر عندنا في مطاردة الكلاب الضالة، وتنفق في أعمال القضاء عليها الأموال الطائلة، في ظل إلحاح المواطنين وشكاواهم المتكررة من أذى تلك الكلاب لماشيتهم وأطفالهم.
قرأت كثيرا حول تلك الجهود، ثم اتصلت بأحد البيطريين لأسأل عن عدد المواطنين الذين يراجعون العيادة من أجل تقديم خدمة علاجية لكلب ضال أو قطة شوارع، لأكتشف أن أحدا لا يهتم بالأمر، إذ يراجع عيادته شخص أو شخصان كل عام لهذه الغاية، مقابل العشرات ممن يحضرون قططهم الشيرازية وجراءهم الأوروبية، للكشف وتقديم اللقاحات.
عدت بعد ذلك إلى الشبكة الإلكترونية للبحث عن مراكز إيواء، أو حتى عن مواطنين مهتمين بهذه الحيوانات، لأفاجأ بأنه حتى الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها، لا تضع الكلاب الضالة وقطط الشوارع تحت إشرافها وعنايتها. بعدها لم أتعجب من استسعار كلابنا وقططنا إلى الحد الذي جعلنا نشكو منها.
في العالم الغربي، حيث لا حكم بالإسلام، ولا رواية لأحاديث الرفق بالحيوان، التي جعلت سقيا الكلب سببا في دخول الجنة، تعيش الكلاب مع الناس، تنام في الشوارع آمنة، لا يؤذيها أحد ولا تؤذي أحدا. وهذا بحق ما يدعو إلى العجب، مع أن الثقافة العربية تحتفي بالكلب لدرجة جعلتها تقول في أمثالها "أوفى من كلب".
تعجبت حقا وأنا أقارن بين حال الكلاب في أوروبا وأميركا والصين وتركيا وغيرها من دول العالم وحالها عندنا، ثم انتهيت إلى أن الكلب الذي كانت العرب تصفه بالوفاء، لن يكون وفيا لأمة تقتله بالجوع والدهس والحبوب السامة، ولا تنظر إليه بالرحمة والشفقة إلا تحقيقا لمصالحها، حين يكون كلبا داجنا أو بوليسيا أو كلب صيد.
يقول الرب جل وعلا في كتابه العزيز: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم". هذه الأمم -بلا شك- لها منظومة حياتية خاصة، يدخل فيها الاحتراس والحماية، وحين تشعر بالخطر فلا بد أن تحذر بعضها بعضا، وأن تتخذ كل سبل الدفاع عن النفس في بيئة معادية، وهذا ما جعل الكلاب والقطط تهاجمنا وتؤذينا. هذا كله يجعلنا أمام مسؤولية كبيرة دينيا وأخلاقيا، فالكلاب والقطط التي نهاجمها ونجعلها في حالة دفاع دائم عن النفس، يمكن أن تتحول إلى حيوانات أليفة، شأن كل الكلاب والقطط في العالم، لكن المسألة تحتاج إلى وعي وإلى ثقافة.
أقول ذلك وأنا متفائلة جدا بمستوى الحس الإنساني عندنا، فقد عثرت أثناء البحث في هذا الموضوع، على موقع لسيدة عمانية جعلت من بيتها ملجأ للكلاب الضالة وقطط الشوارع، وصارت تنفق من جيبها الخاص على علاجها.
مثل هذه السيدة جديرة بالتقدير والاحترام، وتجربتها أيضا حقيقة بالاستنساخ لدينا، عندها لن تشكل الكلاب خطرا علينا، ولن يهدد وجودها ماشيتنا وأطفالنا.