يقول الغزالي - رحمه الله - : إن التعصّب من آفات علماء السوء، فإنهم يُبالغون في التعصّب للحقّ، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نُصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نُسبوا إليه. ولو جاؤوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة، لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه ، ولكن لمّا كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتْباع مثلُ التعصّب واللعن والتّهم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم

فالتعصب للرأي عموماً آفة تنخر فكر الرجل فتجعله خاوياً يتحاشى الناس مجالسته وإن كان ذا فضل وعلم، ولذلك جاء التشريع الإسلامي ليبين لنا أن الحكمة ضالة المؤمن يطلبها أنى وجدها وإن كانت في عقل طفل صغير فتح الله عليه بها ولا ضير.

ونتيجة لذلك الفهم العميق لأدب الحوار في صدر الإسلام بالذات تفوق المسلمون على من حولهم وأقاموا دولة مترامية الأطراف قوية تقوم على مبدأ الشفافية الواضح والذي جعل الفصل في كل خطاب البعد عن التعصب

والمتأمل للوضع الراهن للشعوب العربية يمكنه وبكل بساطة وضعهم في التقسيمات الثلاثة التالية والتي لا رابع لها:

1- قسم لا شأن له بالحوار قط وذلك لضعف الخلفية المعرفية بالأحداث والملمات من حوله.

2- وقسم نصب نفسه عالماً أوحداً أحاط بكل شيء علماً رأيه صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ كله لا صواب فيه.

3- وقسم جعل للاتزان في الطرح المبني على الحجة والبراهين باباً مشرعاً يلج له من أراد الفائدة وهم قلة.

والغريب أن أصحاب الصوت العالي ممن لا علم لهم ولا منطق لديهم- القسم الثاني- استحوذوا على ألباب أبنائنا وغرسوا في أذهانهم كلما أرادوا فنشأ منهم المتشددون الذين يرون أنفسهم على المحجة البيضاء وما خلاهم فاجر فاسق، والسبب برأيي هو استحياء القسم المتزن في إظهار ما لديه من طرح هادف عقلاني يزن الكفة منذ البداية.

ولذلك وبعد اكتشاف هذا الخلل دأبت الدولة أيدها الله لإنشاء مراكز الحوار والمناصحة لاستعادة ما يمكن استعادته من عقول أولئك الفتية وإحياء أدبيات الحوار المتزن الذي فقدوه وهنا نرجع لنقطة البداية التي لو تأملناها ووقفنا على أركانها لكنا في غنىً عن كل ذلك ولسددنا جميع الطرق على أرباب الفكر الضال والمنحرف.

فالابن بحاجة للحوار مع والده والطالب بحاجة للحوار مع مدرسه والمرؤوس بحاجة للحوار مع رئيسه والمواطن بحاجة للحوار مع مسؤوليه، ولكن يجب أن نضع التعصب للرأي جانباً في كل حواراتنا إن أردنا أن نخرج بوطن مترابط قوي يقوم على الاحترام المتبادل بين كل فئاته.