هب أن أحدهم يصف لك بلده الذي قدم منه، وعاش فيه طفولته وشبابه، يخبرك عن كل شيء يخص وطنه، أخلاق الناس وأحوالهم، وطبيعة عيشهم، وما لديهم من حضارة... مهما تحدث، وبغض النظر عما تملكه من قدرة على التخيل، بتأكيد لن تدرك تفاصيل حياة من يتحدث عنهم، ولن يصلك شعور هذا المتحدث كما يجب، وعليه لن تشعر بمعاناة الناس هناك كما يشعر أحدهم، لأنك بكل بساطة لم تجرب ذلك الواقع بنفسك، ولم تمر بتجارب من نُقل إليك خبرهم، هذه المقدمة القصيرة تنطبق على طبقة الأغنياء والفقراء، وتلخص البون بين الفرقين، للأغنياء عالمهم الخاص، وللفقراء عالم آخر مختلف.
وسأبدأ بطبقة الفقراء -ليس من الباب التحيز أو "الواسطة"- إنما لأنني أعرفهم جيدا، أعرف متاعبهم، وهمومهم، وما يشغلهم ويكدر عيشهم، الفقير يحزن كثيراً حينما يطلبه أحد أبنائه مبلغا لا يملكه، ليشتري به لباساً رأى أحد أقرانه يتباهى به أمامه. إن الغني لا يتخيل واقع رب أسرة يصارع ظروف الدهر، ليبقي أسرته في شقة ضيقة، مستأجرة، يفعل كل شيء كي يسدد إيجارها الشهري، ثم يفكر كيف يدفع قسط سيارة عائلته، وبين هذا وذاك زوجته تطلب مالاً، وأولاده يتوسلون به، عله يعطيهم شيئاً يشترون به ما ينقصهم، فهو يريد أن يوفر لدفع قيمة فاتورة الكهرباء أو الهاتف، فأي فاتورة مهما قل ثمنها بالنسبة له معضلة، بيد أنه في الوقت ذاته لا يود حرمان أهله، ومن يتولى شأنهم. أما في المناسبات، فإنه قد يضطر للاستدانة من صديق أو قريب، وبالتالي يقع بحرج كبير، ربما يتحاشى مقابلة من استدان منهم ليس كرهاً بهم، بل خجل من مقابلتهم، كونه لم يف بوعده، ليس تهاوناً، بل لأن ظروفه أعظم من قدرته وإمكاناته المادية، وزد على ذلك حينما يصاب الفقير بعارض صحي، ويجد أن موعد علاجه بعد بضعة أشهر في أحد المستشفيات الحكومية، ففي هذه الحالة ليس أمامه خيار سوى انتظار الفرج.
دعك ممن اخترعوا مقولة "الفقير مرتاح"، إذ يبدو أنها من اختراع الأغنياء لذر الرماد في عيون الفقراء الذين قد يصابون بالضغط والسكر... جراء كثرة ما يواجهونه من مصاعب. طوال الوقت تجدهم منشغلين بحالهم، وليس لديهم وقت أو مال يجعلهم يروحون عن نفوسهم، ويستمتعون بحياتهم أسوة بطبقة الأغنياء، وأنوه إلى أن تعريف الفقير بالنسبة لي هو من لا يملك أساسيات الحياة وفق معايير زمنه الذي يعيش فيه.
أما الأغنياء فكما أسلفنا لهم شأن مختلف، فهم لا يعرفون حقيقة عيش الفقراء، رغم أن ثروتهم أتت على حسابهم، ومنهم من ارتقى ظهور الفقراء للوصول للغنى، ثم إنهم ينظرون للفقراء، ويرون أن حل مشاكلهم في غاية السهولة، فقط يتطلب الأمر إرادة من قبلهم. إنهم لا يقدمون دعما حقيقيا عدا التنظير، وأسوأهم من يرى نفسه في مكانة أعلى من غيره، ويتنكر لأصدقائه بعد غناه، وكأنه لا يعرفهم. على أي حال لن ألج دهاليز الأغنياء لأنني لا أعرفهم، ولا أود أن أناقض نفسي، لأنني في أول أسطر المقال أوضحت أن من لا يعيش واقعا لا يمكنه تخيله.
ختاما، حتى أكون منصفا، أشير إلى أنني حينما أتحدث عن الأغنياء لا أعمم، إنما أتحدث عن طبقتهم بشكل عام، وفي نهاية المطاف هم بشر منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.