تصدرت صورة الطفل السوري عمران الصفحة الأولى لعشرات الصحف العالمية في صبيحة اليوم التالي لخروجه حيًّا من تحت الأنقاض في حلب. لم يبكِ عمران، فقد كان يمر كما يبدو بحالة صدمة شديدة لم يستوعبها عقله الصغير وجفت معها دموعه. ألقوا بجسده الصغير على كرسي لا يشبه حضن أمه التي لم تكن هناك لتمسح وجهه! حاول أن يمسح جبينه بنفسه فتفاجأ بالدم على يده الغضّة، مسح يده على عجل بالكرسي الذي يجلس عليه وكأنه يحاول أن ينسى منظر الدم! ثم عاد ينظر للعالم بعين يسكنها الذهول.
لا تنظر ولا تنتظر يا ابني! فبين مأساة إيلان ومأساتك اختبرت إنسانيتنا آلاف المرات! قتل المئات وتشرد الألوف من أطفال سورية، وبحمد الله حوّلنا من وصلتنا قصته منكم إلى وسم تويتري لا يشق له غبار! اطمئن فقد خلدناكم بالتصوير وبالتمثيل وبالأشعار!
يا الله ما الذي فعلته بنا وسائل التواصل الاجتماعي؟ لقد جعلتنا نقتات على المآسي من حولنا كمن يطلب وجبة سريعة ليلتهمها على عجل! نحرق مشاعرنا وإنسانيتنا بلا وعي كمن يقف بسيارته في وضع التشغيل على جانب الطريق، فلا وقودًا أبقى ولا طريقًا قطع!
ألا نخجل من بكائنا واجتماعنا في الوسوم لنستعرض مهاراتنا اللغوية وترديد ما حفظناه من أبيات شعرية ودعوات؟ هل نخدِّر أنفسنا بهذه التصرفات ويقل بها حجم المأساة في أنظارنا!
لم يتغير شيء منذ مأساة ابننا الغريق إيلان! ذرفنا الدموع على ما حدث ودعونا كثيرًا جدًا على من تسبب في هذه المأساة، وعلى من جعل السوريين بين خيارين إما البقاء والموت أو الرحيل والموت! انتقلنا باعتراضنا من وسم إلى وسم وأنهينا حفلة اعتراضاتنا بالأبيات الأشهر:
رب وا معتصماه انطلقت
ملء أفواه الصبايا اليتّم
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
وأنا أتصفح الوسوم بكيت مثلكم واعتصر الألم قلبي وتصورت شعوري لو أن ابني مكانه على الكرسي، دعوت كثيرا على بشار وبوتين وغيرهم، لكني قررت ألا أشارك في هذا الوسم!
قررت أن أحزن بخجل وأن أنزوي بعيدا عن صورة عمران، فلا أعيد تدويرها أو أكتب عليها القصائد. قررت أن أتجرع حزني على عمران وحدي، فكل ما نكتبه أو نقوله لا يساوي نظرة الضياع التي جالت في عينيه! كانت نظرته التائهة تقول لنا (تركت لكم الوسوم فتباكوا فيها كما تشاؤون أما أنا فلن يشهد العالم على دمي ودموعي في آن واحد)! نعم علينا أن نبكي ضعفنا وقلة حيلتنا، وعلينا قبلها أن نصمت، فبعض التغريد إهانة لأحزان إخواننا وأخواتنا وأبنائنا من أمثال عمران، فهم الذين يعيشون المأساة بشكل يومي تحت القصف والحصار، ويموتون دون أن تلتقط لهم الصور أو تخلدهم المقاطع!
كم من عمران دفنته الأنقاض وكم من إيلان ابتلعه البحر ولم تصلنا قصتهم ولم نوصل وسومهم التويترية للمؤشر العالمي (الترند)، فقط لأننا لم نعلم بهم. جهلنا بهم لا يجعلهم أقل أهمية ولا يقلل من حجم جريمة النظام السوري ومن يدعمه أو يقف معه.
طالعت استطلاعا لقناة الجزيرة في تويتر عن الأثر الذي ستتركه قصة عمران في المجتمع الدولي ونظرته لقضية سورية! الجواب بكل أسى لا شيء! سيبكيه العالم أياما معدودات وسنطلق ملايين التغريدات، وسنكتب القصائد ونندد ونستنكر ونتداعى ثم سيطويه النسيان كما قال درويش (تنسى كأنك لم تكن)!
بكل حزن أقولها، إن مصير قصة عمران لن يختلف كثيرا عما حدث لمحمد الدرة أو إيلان أو غيرهم من الشهداء أو الجرحى ممن جهلنا مآسيهم في أنحاء عالمنا العربي والإسلامي الدامي الجريح، فهؤلاء لا بواكي لهم.