تبلغ مساحة المملكة العربية السعودية 70% من شبه الجزيرة العربية، وهذا يفترض أن تكون لدينا وفرة في الأراضي البيضاء، إلا أن الواقع يوحي بأن هذه المساحات الشاسعة تضم شكلا من أشكال الجشع العقاري، إذ لا يبدأ حديث بين شخصين عن العقار والأراضي والإسكان إلا ويعرَّج فيه على قضية الجشعين الذين امتدت سياجات أراضيهم إلى مساحات تصل إلى مئات الكيلومترات، ليس في المدن والضواحي والقرى، فحسب بل وصل الأمر إلى البراري البعيدة.
اشتهرت هذه القضية مجتمعيا بـ"الشبوك" التي حولت الأرض إلى ما يشبه المحميات الصحراوية، فحدود الأرض البيضاء محمية بسياجات معدنية، بمساحات مهولة، وبما أن الهدف وراء هذا الأمر اقتصادي بحت فقد تولّد عن هذا السلوك ارتفاع غير طبيعي في أسعار الأراضي البيضاء في المدن والقرى والأرياف، كما تولّد عن ذلك جشع تجاري جعل المواطن الذي لا "شبك" حصوله على أرض لبناء منزل عليها أمرا بعيد المنال!
فأزمة "التشبيك" لم تبقِ ولم تذر للمواطن فرصة ليكون آمناً في سكنه، فمنذ أن بدأت هذه المشكلة وأفراد المجتمع السعودي يعي أسبابها ونتائجها وتبعاتها، إذ ليس ثمة معلومات جديدة لا نعلمها، حيث إن "الشبوك" عبارة عن أراض بيضاء يُفترض أنها في الأساس مُلك للدولة وبالتالي مُلك للمواطنين، سواء الأجيال السابقة أو الحالية، بالإضافة للأجيال القادمة أيضاً، وهنا مكمن الأزمة!
فصعوبة الوضع الراهن صنعت لدى المواطن المنتمي لطبقة "ذوي الدخل المحدود" نبرة قلق من المستقبل في ظل عدم شحّ الأراضي، وشح المعروض نتيجة للاحتكار الذي هو نتيجة للتشبيك، وبالتالي ارتفاع أسعار العقارات بشكل عام إلى أثمان خيالية بأرقام فلكية، تزيد أضعافاً مضاعفة عن نظيرتها في أوروبا وأميركا؛ لكون سوق العقار أصبح محتكرا لفئة قليلة، مما أسهم في مضاعفة أزمة الإسكان التي ما زال مصيرها مجهولا رغم الوعود بالحلول.
هنا تحتاج قضية "الشبوك" والأراضي والإسكان إلى مزيد من "الشفافية"، وهنا يكون طرح هذه المشكلة بلا مواربة أمرا ضروريا للوصول إلى حل، أو على الأقل للوصول إلى أمل في الحل باعتبارها مشكلة مجتمعية.
لا تعاني المدن السعودية الكبرى والمتوسطة والصغرى من شحّ الأراضي لإقامة المشروعات السكنية عليها، وإنما تعاني من ظاهرة تشبيك الأراضي، وربما لو تم تعقب مُلكية "الشبوك" في المدينة الواحدة لما تجاوز ملاكها أصابع اليد الواحدة من رجال الأعمال.
إن مشكلة احتكار أرض الله الواسعة من فئة قليلة يمثلها ملاك العقار، يجب أن ينظر إليها بميزان الاحتكار أو حتى اختلاس المال العام، فمعاناة الوطن وشعبه من تبعات هذا الفعل سوف تزداد في المستقبل إذا لم تكن هنالك قدرة على فرض الرسوم على الأراضي البيضاء بطريقة حاسمة وصارمة، لأن هذه المشكلة فعليا تهدد الاقتصاد الوطني باعتبار أن السكن من الضرورات التي لا يكتمل أمن الإنسان من دونها.
يمثّل فرض الرسوم وأداء الزكاة على الأراضي البيضاء من الحلول الناجعة، لكن المشكلة الحالية هي التدرج في ذلك، وعلى الرغم من أن الأرض في الأصل هي مُلك للدولة ما لم تَثبت ملكيتها الخاصة، وقد صدرت مراسيم بهذا الخصوص، إلا أن "التشبيك" بهذه العبثية والجشع الكبير يعتبر إضرارا مباشرا باقتصاد الوطن والمواطن، وبالتالي فإن الدولة بصلاحياتها وسلطتها يمكن أن تفرض حلولا أفضل مما هو متاح الآن، وخاصة أن لا أحد من أصحاب "الشبوك" يفكر في التبرع بجزء من أراضيه للدولة لمساعدتها في الحل بتوزيعها بشكل عادل على المواطنين الذين هم ضحايا الجشع والطمع، وعلى هذا الأساس يمكن للدولة كجهة مسؤولة عن حماية المواطنين من أي سلوك يضرّ بهم حاضرا أو بالأجيال المستقبلية، فإن تثمين هذه الأراضي الفائضة عن حاجة أصحابها بشكل معقول وشرائها حل ممكن.
في هذه الحالة ليس ثمة حل آخر سوى نزع الملكيات والتثمين بالطريقة ذاتها التي تمت بها توسعة الحرمين الشريفين، والتي لم يستطع أحد أن يقف أمامها لأنها من أجل الصالح العام، وخاصة أن وجود "الشبوك" في أواسط المدن وعلى أطرافها يستلزم الابتعاد بمخططات توزيع الأراضي المستقبلية عنها بما لا يقل عن 100 كليومتر لإقامة مشاريع الإسكان، وهذه كارثة، إذ ستوجد لدينا مدن رديفة تحتاج إلى المزيد من الخدمات والبنى التحتية المكلفة؛ مما يعني سفر الساكنين فيها من الموظفين والطلاب إلى المدينة المركزية بشكل يومي، وهذا يعني أنك يا أبا زيد ما غزيت!