إننا في عصر "شوفوني ولا تنسوني"، بمعنى أن أي شخص لديه القدرة على اقتناء المعدات ولديه أقل تدريب ممكن عليها، يستطيع أن ينشر أي شيء على النت! الآن أضف إلى ما سبق مجتمعات تجد أن الغالبية فيها تعتبر الآراء حقائق، فماذا سيكون الناتج؟ ثم أسقط ذلك على مؤسسات إعلامية تأخذ ذاك المنتج، بغض النظر عن خلفيته، لأنها غالبا ما تسلخه عن تلك الخلفيات، وتركز وتجعل منه قضية، ومن ثم تقوم على استغلاله بكل الطرق المتاحة دون إعطاء أي اعتبار للأخلاقيات أو المبادئ، لأن ذلك ليس من أولوياتها أو لم يعد كذلك اليوم! فما تتعامل معه هو خبر؛ سلعة سريعة التلف، ويجب أن تُحلب لأقسى حد قبل أن تنتقل إلى الذي بعدها! هل تسببت بغضب؟ هل تسببت بردة فعل سلبية؟ لا يهم، بل هو أصلا المطلوب لكي يتم الدخول إلى الموقع وتستمر المتابعة وترتفع الأعداد؛ قراء، مشاهدون، مستمعون، مغردون، معلقون! وحبذا لو ترافق كل ذلك مع حملات جنائزية من فنون ولوحات وقصائد، أو ربما طبول حرب تُعلق معها المشانق (مجازيا) لكل من تسبب أو لكل من يقف بوجه التيار!
أصبحنا في زمن المجاميع التي تُحرك حسب الطلب! تنتظر الإشارة إما لكي تعلق المشانق أو لكي تولول وتلطم وتقذف بالاتهامات إلى الاتجاه المطلوب من صاحب الحملة! "الكل غاضب إلا أنا ... لا بد أن المشكلة فيّ! الكل حزين إلا أنا ...لا بد أن المشاعر عندي أصابها التبلد!" هذا ما يتسارع إلى عقل كل من يجد أن الأمر يحمل في ثناياه أمرا غير طبيعي، ويريد أن يبحث أكثر ليتأكد، ولكن يا ويله من البقية إن وجد أن الأمر لا يستحق أو أن المشهد برمته مسرحية تم الإعداد والإخراج لها بكل مهنية، بحيث يتم تهييج العواطف وإطلاقها لتطغى على كل تحليل منطقي، وتتعدى أي حس نقدي ليتم الشلل أو التخدير، ومن ثم التسلل إلى اللاوعي لغرس المخطط له من أحكام أو مخاوف للتمكُّن بعد ذلك من التحريض لاتخاذ مواقف معينة كالتأييد أو الرفض أو قد يصل الأمر إلى التحرك والهجوم!
توليد غضب اصطناعي، وخلق جدل اصطناعي، أو إشعال نزاع مفتعل، كل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل المال، من أجل جذب الدعايات التي تنمي الإيرادات، من أجل الشهرة، من أجل إحراز انتصار افتراضي على خصم! هل فعلا نصدق بأنهم كانوا يتصفحون صفحتهم على أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، وصدفة وقع تحت أيديهم مقطع أو مقولة أو تصريح دون أن يبحثوا عن ذلك بأنفسهم! هل فعلا نصدق بأنهم يهتمون بمن قتل ومن خطف ومن وقع تحت الأنقاض؟! هل فعلا نصدق بأن مشهدا ما أثار غضبهم أو اشمئزازهم أو ضرب على وتر حساس لديهم؟ لو كان الأمر كذلك لرأيناهم ينقلون صور وأخبار الضحايا بغض النظر عن الموقع والخلفية، ولكنهم ينتقون وبذلك يفرضون على المجاميع مع من تتعاطف ومع من تقف ومتى تبدأ ومتى تتوقف! بل إنهم يحددون لهم متى يبكون ومتى يغضبون! وأي تصريح أو خبر أو صورة أو مشهد خارج الكادر، أو لا يتفق مع أهدافهم يُعتّم عليه أو يتم التجاهل! إنهم يعلمون جيدا أن تصريحا ما أو مقولة ما أو تغريدة ما سوف تثير النزاع، تُلتقط تقص ويعاد إخراجها إما على شكل مقالة أو قضية في برنامج، أو ضمن قالب جديد لتغريدة بتعليق مستفز! وتتحرك المجاميع وتبدأ السيمفونية! إن المسألة باتت كاللعبة، الجميع يشارك ويلعب، ومن المفترض أن نتظاهر بأنها حقيقية، ونحن نعلم أنها ليست كذلك، ولكننا نلعب على أية حال، ولكن من الخاسر في النهاية؟ أليس نحن؟! لقد أصبح الأمر" تسلية حتى الموت" كما أطلق عليها “Neil Postman” في كتابه: “Amusing Ourselves to Death”.
يقول فريدريش روكرْت إنه لا يوجد شيء، مهما كان صغيرا، لا يمكن التلاعب به وتضخيمه، ما يجب أن نركز عليه هنا أن القضية ليست ما يفعله الآخر بقدر أهمية ما تفعله أنت! فإن تركت لغيرك أن يحدد لك مشاعرك، أن يمارس مهاراته في التلاعب العاطفي بك، تكون قد سمحت له بأن يحقق 99% من أهدافه، لأنه بكل بساطة سحب منك جزءا حيويا من ذاتك... حكمك الشخصي! لنسأل أنفسنا: هل حقا نحن نستاء من الأشياء التافهة؟ بالتأكيد كلا! ولكننا نجد أنفسنا في كثير من الأحيان ننساق خلف التفاهات، لأن هنالك من جعل منها قضية.. أمراً هاما! وإن أبديت اعتراضك على أنها قضية تافهة ولا تستحق أن تتصدر أي مساحة على أي وسيلة، يبدأ استفزازك إلى أن تغضب! ومتى ما غضبت تحولت القضية إلى أمر هام لأن الأمر أصبح شخصيا، فتتراجع للظل وتتقدم أنت لتصبح في الواجهة! ويعاد التعليب ويعاد الإخراج وتستمر المسرحية طالما أن هنالك من يُعصر ويستغل، ومن أجل ماذا؟ المكاسب على جميع أنواعها! وهنا تجد من كان هادئا دخل في حالة غليان من الغضب!
حسنا... لنسأل هنا: ما هي الإضافة الثقافية الفكرية الأخلاقية التي ستضيفها وأنت في حالة الغضب؟ هل لها أي ثقل غير الفوضى والمزيد من التشتت، وربما إضاعة الفرصة الحقيقية للبحث والتأكد! ولكن هذا ما لا يراد لك، المطلوب منك التفاعل من أجل موقف معين أو كعدد يضاف لترتفع الأرباح! فإن أتبعت فأنت مكسب، وإن اختلفت فأنت مكسب! وتدور طاحونة الغضب، هذا غضب من هذا، وذاك غضب لغضب هذا، فغضب كلّ هذا وكلّ ذاك!
ضمن كل هذه الجعجعة، يجب أن نتوقف ونهدأ ونفكر لنستطيع أن نحكم بعقلانية، فالذين يتحكمون بذاتهم وما زالوا متمسكين باستقلاليتهم وقادرين على التحكم بعواطفهم، ولديهم القدرة والإرادة والصبر، هؤلاء عليهم تحمل مسؤولية الأعداد الهائلة ممن لا يمتلكون ذلك، عليهم كشف أي مدّع كاذب أو أي ناقل هدفه الإثارة والبلبلة، أن يمتصوا موجات الغضب بالتوعية ونشر المعلومات الصحيحة والدقيقة الناجمة عن العودة إلى المصدر وتحليله كوحدة كاملة، وليس كمقطع مجتزأ للتأكد قبل الحكم، وعن البحث من المصادر المختلفة ذات المصداقية والحيادية. دور شاق ولكنه يستحق التضحية.