"كيم فان" هي الطفلة الفيتنامية التي كانت تركض عارية ومحترقة، بفعل قنابل "النابالم" عام 1972، حين قامت الطائرات الفيتنامية الجنوبية بالتنسيق مع القوات الأميركية بقصف قرية "تراج بانج"، وكانت صورة "كيم" السبب الرئيس في إنهاء حرب فيتنام، بعد أن أثارت الرأي العام في أميركا والعالم، وقد جسدت الصورة مدى بشاعة وفظاعة الحروب.

الطريف في هذه القضية أن الرئيس الأميركي "نيكسون" شكك في صحة الصورة، كما شكك الإعلام الإيراني في صحة صورة الطفل السوري "عمران"، واعتبرها ضربا من ضروب الخداع السينمائي والإيهامي، مما أضحك العالم على سذاجة التشكيك.. لك الله يا "عمران" فصورتك الصارخة والدامية والمعذبة لم تحرك سواكن الوجود المبهم، والكائنات البشرية الملتبسة، بفعل إدارة التحولات الكونية وقيادة مصائر الشعوب، والتي أصبحت مظهرا من مظاهر التسلية والتضليل وذبح الحياة.

جئت يا عمران في عصر التعسف والاستبداد وإفلاس الشعارات والهيمنة والاستقواء وتبدل الأدوار والتحالفات، ما الذي فعلته وما الجرم الذي ارتكبته، ليمزقوا جسدك الشمعي ويحولوه إلى جمر ودماء؟ لقد احتلت صورتك يا عمران نشرات الأخبار وعدسات الميديا، وأنت تمسح تراب الدار البائسة التي سقط سقفها الواهن فوق جمجمتك الصغيرة، دون أن تعرف سببا واحدا لذلك الفجور الذي صنعته الضمائر الميتة والمتواطئة مع الحقد والكراهية والفاشية.

لقد فضحت يا عمران سلوك العالم المتحضر وإنسانيته المصطنعة، والتي تخفي وراءها همجيته وبربريته حين اختار الصمت والسكوت وبيع الديموقراطية وحقوق الإنسان في سوق المصالح الدولية، وضحى بالعدالة والحرية والسلام والفردوسية المزعومة.

يعتقد القتلة يا عمران أنك كنت في ساحة دارك تصنع الكمائن والأفخاخ وأسلحة الدمار الشامل، سعيا لتقويض النظام العالمي وممارسة الطغيان وتسيير التظاهرات ونشر الفوضى والخطف والتعذيب والتصفية والقهر والتسلط. سوف ينسون صورتك وقضيتك يا عمران في ظل تهاوي القيم وانهيار المعايير وتحجر المشاعر وفساد الضمير والاستمتاع بمشاهد الموت والدمار. صورتك الصاعقة والمدوية لم تفعل ما فعلته صورة "كيم فان وقيل كيم فوك" التي حركت عربات التاريخ وضمائر الشعوب الحية، وطاولت شظاياها أرجاء المعمورة، أما أنت يا عمران فقد جئت في عصر الامتهان الظالم وعطب المبادئ، في عصر أرخص ما فيه الإنسان يا لمأساة الإنسان!.