يبدأ المركز الوطني للقياس والتقويم أعماله المتعلقة باختبارات الطلاب؛ والتي تعرف باختبار القدرات العامة والاختبار التحصيلي "الورقية"، في شهر صفر من كل عام، وينهي أعماله في جمادى الآخرة، أي في الفترة التي يكون الطلاب فيها قد التحقوا بمدارسهم، ما يسهّل عملية حصرهم وتحديد أعداد الممتحنين منهم في كل منطقة من مناطق المملكة. ومع ذلك لا يتناسب عدد مراكز الامتحانات التي يحددها المركز سنويا مع أعداد الممتحنين، ما يجبر كثيرين منهم، تحت ضغط عدم ضياع الفرصة، إلى التسجيل في أماكن بعيدة عن مقار إقامتهم، فترى طالبا في الرياض يسجل امتحان القدرات في رجال ألمع أو في الجوف أو الخفجي.

لكن المركز الوطني لا يكترث لذلك، كل ما يعنيه أن يسدد الطالب الرسوم خلال الأربع والعشرين ساعة التالية لتسجيله؛ حتى لا يلغى التسجيل وتفوته الفرصة.

ولا أدري ما الذي يضر المركز "الوطني" لو منح أبناء الوطن من الطلاب بعض التسهيلات في موضوع الدفع؛ بحيث يعطى الطالب فرصة لتسديد الرسوم إلى ما قبل موعد امتحانه بأربع وعشرين ساعة، خاصة أن المركز يضع مقاعد احتياط أثناء التسجيل؟! وما الذي يضر المركز "الوطني" أيضا، وهو يجني ملايين الريالات من الطلاب سنويا، لو تكفل بمصاريف تنقلاتهم وإقامتهم، ما دام لا يفتح مراكز امتحانات تتناسب مع أعدادهم في كل منطقة تعليمية، أو لو ضاعف عدد الامتحانات السنوية لتستوعب الجميع؟!

لكن التعجل في تحصيل رسوم التسجيل، وقلة مراكز الاختبارات، ومحدودية فرص الطلاب فيها، ليست كل مشكلاتهم مع المركز الوطني للقياس والتقويم، بل إن من مشكلاتهم ما يستعصي على التفسير والتعليل، فالطلاب الذين تحجب درجاتهم لأنهم أحرزوا درجات عالية في الفرصة الثانية أو الثالثة للامتحان، بعد أن كانوا قد حصلوا على درجات أقل في الفرصة الأولى، يطرحون عشرات الأسئلة حول المبرر المنطقي للحجب. أليست الغاية من منح الفرص هي تحسين الدرجة؟

والمركز يلجأ في مثل هذه الحالة إلى منح الطلاب أصحاب الدرجات المحجوبة فرصة لإعادة الامتحان بالمجان؛

"لأنهم تحت الشبهة في هذه الحالة"، ولا بد من التحقق من أمانتهم العلمية.

في المقابل، يظل الطلاب الذين لم تحجب درجاتهم يدفعون المال مقابل كل فرصة لاحقة لإعادة الامتحان، ما يجعلهم يتساءلون: لم لا يكون الامتحان الأول برسوم مالية، وتكون الفرص التالية مجانية للجميع؟!

لقد أصبحت امتحانات الطلاب هذه تشكل عبئا ماديا على الأسر التي تتحمل أجور المدرسين الخصوصيين، بعد أن صار وجودهم ضرورة مصيرية، وأصبحت لهم سوقهم الرائجة في هذا الباب، وتتحمل أيضا مصاريف إعادة الامتحانات لأبنائها 5 مرات، أي بمبلغ يعادل "600 ريال" للابن الواحد، وحين يكون لدى الأسرة عدد من الأبناء فإن العبء يتضاعف، وهذا ما لا تطيقه الأسر ذات الدخل المحدود والمنخفض.

اتركوا كل ذلك جانبا، وانظروا معي إلى الأسئلة التي توجه للطلاب، فمن الأسئلة اللغوية مثلا أسئلة تتعلق بالسياق؛ أزعم أن علماء السياق سيعجزون عن الإجابة عنها، وحتى عن التحقق من دقتها، ومنها أيضا أسئلة خاصة بالأمثال العربية ورد فيها ما لم يمرّ علي، أنا المتخصصة في اللغة العربية، طوال الأربعين سنة الماضية من العمر، وخلال عشرات السنين من التدريس لمناهج التعليم العام والعالي في المملكة.

وإذا انتقلنا إلى الامتحانات الكمية، فسنواجَه بما هو أعجب مما مرّ في الامتحانات اللغوية، إذ إن الطلاب يدرسون الرياضيات في مدارسهم الثانوية باللغة الإنجليزية، وفيها تكون القوانين بالحروف الأجنبية، لكنهم يفاجؤون على ورقة الامتحان بأن القوانين تكتب بالحروف العربية، وعليهم حينذاك أن يدركوا "بلا بيّنة" أن "س" على ورقة امتحان القدرات هي "x" في مقرر الرياضيات، وأن القانون "ط نق²" على الورقة هو "²??r" في مقرر الرياضيات، فما الغاية من هذا كله؟

لا أظن أن من أهداف المركز "الوطني" التضييق على طلاب الوطن وحرمانهم من دخول الجامعات، لكني أعتقد أنه من الضروري جدا النظر في كل ما سبق، وإيجاد إجابات مقنعة للطلاب وأسرهم حوله، مثلما أعتقد أنه من المهم جدا مراجعة جهود المركز في مجال الامتحانات، وتقييم ما تم تحقيقه من النتائج حتى اليوم.