كان الوقت بعيد شروق الشمس صبح الأول من ذي الحجة ويومها كنت طفلا للتو أنهى شهره الأول في الأولى الابتدائية. هي لحظة الرحيل الحزين ودقائق الوداع المخيف فمن بعدها صافحت آلاف الأيدي مودعا وقبلت آلاف الرؤوس، ولكن: يبقى ذلك الصباح الباكي في حياتي مثل إصابة "الجدري" الذي حوَّل كل لحظة وداع من بعده إلى مجرد "حصبة" طارئة أو "عنقز" عابر. قفز والدي رحمه الله أولا، إلى مؤخرة "اللوري" العتيق ثم استدار ليسحب أمي تماما كمن يسحب "قربة" فارغة من الماء، وقد سكبت فوق أجسادنا كل ما فيها من السوائل: حليبا في فم أختي الصغرى ودموعا علينا في آخر الأيام قبل الرحلة. لم يكن "طول قامتي" يومها يسمح لي بنظرة وداع لأمي فوق السقف الخشبي الأعلى لسيارة حجيج يتزاحمون فيها المناكب من دورين. وبفطرة الحب، أو قل بنباهة طفل، هرعت إلى سطح منزلنا الطيني: شاهدتها من علو وقد وضعوها في آخر زاوية من سطح السيارة. كان الماء الكثيف بين جفوني وفي مقلتي لا يسمح لي بأن أشاهد أمي إلا كما تشاهد غريقا في قاع بئر مظلمة. هنا بكيت على كل شيء: تحول دماغي الطفولي إلى ما يشبه عش العصافير التي تزقزق جلجلة بآلاف الأسئلة. دخلت حتى إلى التفاصيل: كيف تستطيع المرأة الوحيدة في ركب هذا الحجيج القروي الخالص أن تطبخ لكل سكان هذا "الكوكب" المسافر من مجتمع بطركي ذكوري يؤمن أن الرجل مكانه "الحقل" ومن العيب بمكان أن يعجن أو حتى يغسل؟ كيف تستطيع أمي أن تسرق لنفسها غفوة شاردة وقد ضاقت كل الأرض إلا بمكان قدميها، وهي شبه واقفة كل أيام وليالي هذه الرحلة الطويلة. هنا دخلت بعقلي الطفولي يومها بما أو فيما لم أكن فيه مكلفا بما يلي من الأسئلة. لماذا ابتعدت مكة المكرمة إلى هذا الحد الجغرافي في المخيف، ولماذا لم تقترب إلى نهاية القرية المجاورة من "وقشة" أو حتى مشارف "العسران" البعيدة يومها في الأصل؟ كنت أشاهد رأس أمي يتحرك كالمروحة كي تلقي نظرة الوداع على أوجه أولادها الثمانية وقد تناثروا حول السيارة بكل جهات البوصلة: صحت من فوق "المدماك" الأعلى: أمي ........ فكأن كل حرف من هذه "الثلاثة" يرن في تكراره ألف مرة. رفعت رأسها فهربت كي لا تكتمل النظرة بين العيون الأربع. تحرك الركب إلى المجهول وإلى الأبد. كان في منزلنا الطيني، وفي الشمال منه، مجرد أربع نوافذ ضيقة. كنا نتحاشر... اثنين في كل نافذة ونحن نلمح الغبار الهائل يلف "لوري" الحجاز على الطريق الترابي في عام مشهود باليباب والقحط. خرجنا من النوافذ حين قالت أختي الصغرى بمخارج حروف متكسرة: أمي خذاها الغبار. كنا نبكي بشهيق وعويل في غرفة مثلجة حول "صلل" من رماد لم تسحبه أمي في أسبوعها الأخير الذي كانت فيه معنا في ما يشبه الشلل العقلي. وزعت أختي الكبرى علينا آخر أقراص خبز أمي الذي صنعته لنا ظهر ما قبل الأمس. كان جافا حافا يابسا ولهذا كنت أترك دموعي الساخنة المالحة تنساب إلى ما بين الشفتين علها تبلل خبزا لا يشبه شيئا إلا كما يشبه "لحاء طلحة". في مغرب ذلك اليوم، عادت أغنامنا وكانت كل "وليدة" تتقدم الركب كالعادة إلى الرضع إلا من شاة واحدة يقول الراعي إنها ماتت بالجبل: ذهبت إلى طفلها... قبلته... حضنته... بكيت معه بحرقة. نمت بجواره وأنا أقول له: أنت مثلي بلا أم.