كنا صغاراً قبل مرحلة الدراسة الجامعية، حين عرفنا خطبة الحجاج في أهل العراق في جامع الكوفة، التي استهلها بأربعة أبيات، مطلعها: "أنا ابن جلا وطلاع الثنايا". ومضى في أحد مقاطعها إلى خمسة أخرى من الرجز، أولها: "هذا أوان الشد فاشتدي زيم".
ومضينا وقتاً لو سئل أحدنا عن قائل بيت منها فلن يتردد في نسبته إلى الحجاج، قبل أن نعرف أن أولاها من قصيدة للشاعر المخضرم سحيم بن وثيل الرياحي (توفي عام 60 هجري) والأخرى تنسب إلى رشيد بن رميض العنزي أو إلى شريح بن ضبيعة، وهما مخضرمان أيضاً عاشا في الجاهلية والإسلام.
ولم يتهم أحد من القدامى أو المحدثين الحجاج بالسرقة، بدعوى أنه لم يذكر القائل، فهذا أسلوب بياني مألوف يسميه الحاتمي (توفي 388 هجري) الاجتلاب والاستلحاق، ولا شبهة فيه، لأنه يأتي -فيما يصف- "لا على طريق السرق، بل على طريق التمثل به" حتى لو كان الحجاج أسندها إلى نفسه بقوله: "أقول لكم" أو نحوه. وليس ذلك مقصوراً على الخُطب، بل يشمل الشعر، والحديث، والكتابة.
هذا الأسلوب لا يخرج عن تمثُّل وزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل الطريفي، واجتلابه لأربعة أبيات من قصيدة لأحمد شوقي، بحضور الأمير خالد الفيصل، في إحدى أمسيات عكاظ. بل إن تغيير الوزير بعض ألفاظ شوقي لتناسب المقام والغرض، أضاف مسافة أخرى إلى التمثل والاجتلاب تباعدهما، ضمن دائرة المصطلحات المألوفة في التضمين والاقتباس، عن أي دلالة على الادعاء أو السرقة.
لكن هائجة عديد من المثقفين هاجت، باتهام الوزير بالسرقة، وألبسوا التهمة بالدفاع عن حقوق المؤلف، والانتصار للأمانة، حتى بدا أن الأمانة والحقوق الأدبية، لم تشهد من تعاطفهم وألمهم، القدر الذي شهده وسمهم الذي أنشؤوه في تويتر، والحماس الذي ألَّفهم عليه.
ما يفيد هنا، ليس التعرف على طرف من أساليب البلاغة، ولا الاهتمام بموضوع ثقافي بسبب صلته بمسؤول رسمي بدرجة وزير الثقافة. وإنما التأمل في معقولية الحدث وما ينطوي عليه من دلالة على مفهوم المثقفين لأنفسهم وسلطتهم التي تختبئ وراء دعوى المبدئي والأخلاقي والحقيقي والعقلاني، كما يختبئ اللامعقول في دعوى العقل والحجاج على أفكاره الجاهزة والبائسة.
لا يمكن تعميم الادعاء للشجاعة، ولا الرغبة في اكتساب صفة نضالية، على جمهور المثقفين المحتشدين في ذلك الحدث، بدعوى أنه موقف انتقاد لوزير ومعارضة له. فبعض الأسماء المشاركة في الاحتشاد، أسماء كبيرة بإنتاجها وجهدها الثقافي، وليست في حاجة إلى ادعاء الشجاعة والنضال.
لكن يمكن، بدلاً من ذلك، أن نتأمل في اليقين والقطعية التي ألحَّت على جمهور المحتشدين بمن فيهم أولئك الأعلام، وجعلتهم ينفون أي نسبية للحكم بالسرقة عن مثل هذه الحالة، وكأن الحكم بها نتيجة معيارية وإطلاقية لا تقبل الاختلاف أو الشك. أو كأن أحداً لم يسبق إلى مثل هذا الأسلوب، ولم يألفه الأدباء والبلغاء في قديم الزمان وحديثه.
ويمكن -أيضاً- أن نتأمل في صفة التجمهر التي دلَّل عليها الوسم، والتي كانت بطبيعتها نافية لأي اختلاف ومسكتة لكل مساءلة. فلم يكن الحدث تجمعاً لأفراد بل تشكُّل لجمهور، بالمعنى السيكولوجي، حيث خصائص الجمهور التي رصدها جوستاف لوبون، في طمس الشخصية الواعية للفرد، وهيمنة صفات لا واعية.
ويمكن –كذلك- أن نتأمل العاطفية المسرفة والحماس، في استخدام صيغ ساخرة وطلبية متعالية؛ تطلب اعتذار الوزير وإقالته، وفي إلصاق تهمة الملق ومسبة الجبن من قبل بعض المحتشدين في حق من لم يشاركوا في "الزفة"، وفي "تبكيت" من يتساءل. إضافة إلى الإكثار من التغريدات، وتداول تدويرها والإعجاب بها.
ويمكن أن نتأمل -في غضون ذلك كله- حس الاصطفائية والعالِمية والحراسة للأخلاق والقيم: الحس بالوصاية وامتلاك الرمزية والنخبوية. وهذا حس له جاذبيته وبريقه ورومانسيته، وله فاعليته الطهرانية التي يبرأ بها المرء ويتطهر أمام ذاته، وقداسته التي يرتفع بها عن المساءلة والنقد.
إن ثنائية العلاقة بين المثقف و"السلطة" أوضح دلالة في هذا الاحتشاد على ما يعشعش في أذهان المثقفين من مفهوم المثقف ودوره بوصفه في قبالة السلطة وضدها. فلو لم يكن الدكتور الطريفي في خانة السلطة لما كان للحشد أن يقف على ما فعل. وكم اقترف بعض المثقفين والمؤلفين من سرقات أدبية، أو تزوير شهادات... ولم يحتشد جمع المثقفين ضدهم!
هكذا يصبح دور المثقف بوصفه في قبالة السلطة، دوراً تسلطياً بامتياز، أي دور بحث عن سلطة وهيمنة واحتكار. ولم تتبلور دراسات نقد الخطاب المعاصرة إلا للكشف عن ضلالات الهيمنة والتحيز في الخطابات بما فيها خطاب المثقفين.
ولهذا يغدو الدور الحقيقي للمثقف في نقد المثقف نفسه، أي نقد ما سماه علي حرب "أوهام النخبة" وفضحها. تلك الأوهام التي يشترع منها المثقف وجوده وموقعه ومصالحه وتأثيره، على حساب الحق والحرية والعدالة وغيرها مما يدعي الوصاية عليه.
أحد الذين شاركوا الحشد متحمساً لاتهام الوزير بالسرقة، كتب مقالتين في صحيفة مكة، في شهر رمضان، يهاجم فيها أكاديمياً مصرياً مرموقاً في مصر وخارجها، بلغة ازدرائية وتحقيرية مؤلمة، طاعناً في أمانته العلمية، ومتهماً إياه بالتواطؤ على سرقة رسائل علمية، ومزيِّفاً -على ذلك- شهادة أكاديمي زميل للمتّهم.
وحين رد الأكاديمي المتَّهم بلغة مؤدبة، في الصحيفة نفسها، مدلِّلاً على افتراء صاحبنا في حقه، وحضر الأكاديمي الذي نُسب إليه الادعاء زوراً، معلِّقاً في موقع الصحيفة بالنفي للفرية والثناء البالغ على الدكتور الذي ظلمه صاحبنا بها، لم يعتذر صاحبنا بكلمة واحدة!
مثل هذا الكاتب الذي لا يعرف شرف الكلمة وأمانتها، وتتحول الكتابة في يده إلى عصا للعدوان على الآخرين، هو من كان محور وسوم أخرى متصلة بوسم السرقة ومتفرعة عنه، تتهم الوزير بإيقافه عن الكتابة لأنه اتهمه بالسرقة وتنتصر لـ"بطولته": لماذا لم يوقَف غيره من الكتاب الذين شاركوا مثله في اتهام الوزير؟! ولماذا صمت "الأوصياء على الأمانة" من شركائه في الحشد عن فريته على الأكاديمي؟! ولماذا لم يحتشدوا ضد إيقاف آخرين في مناسبات أخرى؟!
نحن في حاجة إلى النقد، كما هي حاجة كل المجتمعات إليه، ولكنه النقد الذي لا يتحول إلى ممارسة للتسلط، وحجاب على رغبته الدفينة.