على الرغم من انخفاض مساهمة المواطنين في المعدل العام للتشغيل في الدولة والذي بلغ (36،22%) للذكور، و(7،10%) للإناث، وذلك بالنسبة لجملة المشتغلين في الدولة، تبعًا لبيانات مسح القوى العاملة 2015 النصف الثاني من العام، إلا أننا في المقابل نجد أن هناك ارتفاعا في نسبة البطالة بين المواطنين التي بلغت (11،50%) في حين أن معدل البطالة العام سجل (5،59%)، بل يمثل المواطنون من تلك النسبة (95،12%)، حيث يمثل الذكور نحو(34%) بينما تمثل الإناث نسبة (61%)، في حين تمثل بطالة غير المواطنين نسبة (5%) فقط، وذلك بنسب متقاربة لكل من الذكور والإناث، (2،54%) و(2،32%) على التوالي لكل منهما.

وبناء على التوجه العام في الدولة نحو رفع نسبة التشغيل للمواطنين من خلال توطين الوظائف والذي يمثل هدفا رئيسا من الأهداف الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة، سواء في الموارد البشرية أو في قطاعات التشغيل المختلفة في الدولة، وذلك دعماً للقاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل من خلال آليات متعددة -سيرد التعرض لها لاحقًا- فإنه من المعروف أن التوطين يأخذ اتجاهين في مجاله التطبيقي والتنفيذي في ميدان سوق العمل؛ وهو إحلال المواطن محل غير المواطن؛ بحيث تتوفر لديه المؤهلات والقدرات المطلوبة لجهة العمل، أو استحداث فرص عمل جديدة تخدم القطاع الإنتاجي في الدولة من خلال الدعم الميسر للبرامج المختلفة ذات الصلة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة وفق خطط تنموية مدروسة.

غير أنه من المفارقات التي كثيرًا ما نجدها في السياسات المعلنة والمنفذة لقطاعات الدولة أن تلك السياسات المعنية بالتوطين واستحداث الوظائف هي مجرد إعلان فقط، مع غياب في التنفيذ والتنسيق بين كافة قطاعات الدولة لما يخدم تحقيق الرؤية المستهدفة من التنمية المأمولة والتي نسعى إليها جميعاً لكافة مقدراتنا البشرية والمادية.

ولكي لا نذهب بعيداً في تواريخ مضت؛ نقف عجباً أمام قرار وزارة التعليم بتاريخ 21/8/ 2016، والذي يقضي بمنح مديري "التعليم" صلاحية دمج المدارس الصغيرة والمتقاربة لسد عجز المعلمين؟! نتساءل: هل نحن بصدد تقليص وظائف المعلمين؟! أم أننا نسعى إلى مزيد من التوطين وتوفير فرص عمل لذلك الكم من الشباب الذين استكملوا تعليمهم وينتظرون فرصة عمل؟! هل نحن بتلك السياسة نأخذ في الاعتبار حجم البطالة الوطنية الموجودة وانعكاساتها السلبية اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا على المجتمع والوطن؟! وهل يتفق ذلك مع رؤية 2030 وما قبلها بسنوات، من غايات وأهداف تنموية نحو الارتقاء بجودة التعليم وتطوير أدائه ومخرجاته؟! هل هناك اعتبار في قوانين التعليم ومواده القانونية أو التنظيمية؛ تحديداً للحد الأقصى لسعة الفصول من الطلاب والطالبات؟!

إن أبسط قواعد الحصول على جودة في المخرجات التعليمية، والارتقاء بجودة التدريس والعطاء المطور؛ هو محدودية عدد الطلاب في الفصل سواء كان ذلك على مستوى المدارس أو الجامعات؛ ليتمكن بذلك المعلم أو الأستاذ الجامعي من احتواء الطلاب؛ وبالتالي يتمكن من تنفيذ آليات منهجية حديثة في التدريس؛ والمتابعة القريبة واللصيقة من كل طالب بحيث يحظى كل طالب بالاهتمام والمتابعة لأدائه ومستواه العلمي بصفة مستمرة وغير منقطعة؛ لنضمن بذلك مخرجات متميزة، خاصة في ظل كبر حجم العبء التدريسي للمعلم وأستاذ الجامعة والذي يحول دون تحقيق الأهداف المأمولة من تطوير التعليم بمخرجاته.

ومع الأخذ في الاعتبار سياسة ترشيد الإنفاق وتقنينه؛ إلا أن الإنفاق في ذلك الاتجاه يصب في مسيرة التنمية إيجاباً استثماراً للمستقبل؛ واحتواءً لمشكلات اجتماعية واقتصادية وأمنية؛ ما زالت تؤرق المسؤول والمواطن على حد سواء.

حقيقة لا يمكن أن نصل إلى تنمية مستدامة وأهداف مأمولة منذ سنوات ندعو فيها للنهوض بالتعليم ومخرجاته، ونحن نعاني من سياسات سكانية متقاطعة ومتناقضة فيما بينها، بل ولا تخدم التنمية بمعناها الفعلي ولا تحقق الرؤية الوطنية المنشودة إطلاقاً.