حينما يحتدم بيننا النقاش كان ينهيه بقوله: "اسمح لي؛ هذه معلومة وليست رأيا"!
تعلمت من ذلك الصديق في وقت مبكر أن الرأي المجرد، مهما كان فصيحا، لا قيمة تذكر له أمام المعلومة الموثقة.
"الرقم" في عالمنا اليوم هو معلومة، ومعلومة مهمة. أعني الأرقام المستمدة من مصادر مؤكدة، وليست تلك القائمة على التخرصات والتوقعات!
مهما أوتيت من فصاحة في الخطاب، وبلاغة في البيان، يستطيع محاورك أن يهزمك بلغة الأرقام 1+1=2!
في المناظرات والحوارات -فضائية وغيرها- لا قيمة لمنطقك العذب، ولسانك الفصيح، وجودة حبالك الصوتية، طالما لا تستشهد بالرقم والمعلومة!
نحن -أفرادا ومؤسسات إعلامية- نمتلك من الأرقام ما يُسكت كل خصومنا في أغلب القضايا الجدلية التي يحاصروننا بها، دينية وسياسية واقتصادية وغيرها. لكننا نتركها جانبا ونتحدث بلغة إنشائية تجاوزها الزمن!
لا أود الابتعاد عن موضوع الحج. لكن خذ من باب المقاربة ملف "الجهود الإغاثية" لبلادنا طوال 30 سنة ماضية. كل منازلاتنا -تحولت منازلات- في هذا الملف تعتمد على الخطاب العاطفي وحده، وقوة ودرجة الصوت. لم نستخدم الرقم مطلقا -قضية فلسطين أبرز مثال- لو قدمت للعالم الإسلامي كشفا بحجم دعمك المادي -بالهللة- للقضية الفلسطينية لن يأتي موتور حاقد ويتهمك بأنك خذلت الأشقاء الفلسطينيين.
مهما كانت لغتك مقنعة ونقية وصادقة، سيأتي من يمتلك لغة أكثر إقناعا. لكنك حينما تستخدم الرقم لن يهزمك أحد سوى برقم مماثل. الأرقام تقطع قول كل خطيب. إنها لغة العصر القادرة على التأثير والإقناع.
أمس، تناولت موضوع "الحج" وجهود بلادنا في خدمة الحجاج. نتحدث كثيرا لكننا لا نقنع أحدا. لو التزمنا الصمت طوال فترة الحج، واستخدمنا الرقم والصورة، لاستطعنا إبهار العالم من جانب، وإلجام الأفواه الحاقدة من جانب آخر. لماذا لا نجرّب ذلك. الصورة تدعم الرقم. الزمن زمن معلومة وصورة وليس زمن خبر مجرد، وتصريح من حاج يمتدح جهود المملكة في خدمة الحجاج، وخلفه مجموعة من الحجاج يلوحون بأيديهم للكاميرا!
وطالما أننا ذكرنا الصور؛ يفترض أن يبدع زملاؤنا المصورون في الميدان. صحف كثيرة نستعرضها اليوم دون أن نتوقف عند صورة معبّرة واحدة!