وليد آل مساعد
سابقاً، كانت التوعية بعدم الكتابة على الجدران والحفاظ على المرافق العامة تتصدر المشهد "الوعظي" والتعليمي لجيل كانت تشغله مباريات كرة القدم وقناتا التلفزيون وأشرطة الفيديو!، جيل كان يُمارس نوعا من "تفريغ" الكبت الذي كان يُعانيه ليلاً ونهاراً - وأعتقد أنه كان يستفرغ أكثر مما يُفرّغ! - فلم يكن يسافر إلا قليلاً ولم يدرس أو يتعلم إلا النزر اليسير من العلوم المحددة تبعاً لمحدودية الجامعات آنذاك وقلة الابتعاث الخارجي!، فقد كان محصوراً دائماً بين وعظ المساجد وتلقين المدارس، وقراءة "مطويات" الدعوة بتململ أو سوء فهم أحياناً، فليست كل المنشورات الدينية مفهومة لدى ذلك الجيل الآنف!
اعتقدت أن هذا الجيل ولى وانقضى ولن يتكرر، وظننت أن "الجدران" مُحيت من ذلك الكبت والتنفيس الأدبي، وأن المرافق العامة لم تطلها أيادي التخريب والعبث!، لكن ذلك لم يحدث إطلاقاً.. بل ما حدث فعلاً أن لغة الوعظ لم تتغير، بل لا يزال هناك تخريب وعبث، والكتابة على الجدران باقية، وتمددت حتى عند مساحات الكباري والأنفاق، ويبدو أنها أكثر إغراء للكتابة من أي جدار! - وأن الجدران الإلكترونية كتويتر وفيس بوك لم تف بالغرض ولم تكن أماكن كافية من أجل اضمحلال "أدب الشوارع" السيئ أخلاقياً، وحضارياً!، أكررها بصريح العبارة.. اعتقدت لوهلة أن هذا النوع من "الإهمال" قد قضى عليه "وعي" الجيل الجديد بتقنياته الحديثة، في زمن كان من الأحرى أن تتغير فيه كل أنماط "الوعظ" الظاهري في المساجد ودور العبادات وحلقات التحفيظ، وأن تتطور فيه كل وسائل التعليم في المدارس والجامعات.. وإذا بالمدرسة هي المدرسة والجامعة مكانك سر!، وكأن عقارب الساعة تدور في فلك ونحن في أفلاك كونية أخرى!
أقولها جاداً، نريد فرض "غرامات" جديدة بحق كثير من "عابثي" الشوارع!، ليس من اللائق أنه كلما افتتح نفق أو "كوبري" جديد أتت ذكريات هؤلاء "الحمقى" لكي نقرأ نبذة عن حياتهم البائسة وطفولتهم المدفونة بين ركام سنواتهم الضائعة!، هذا الطريق أو "النفق" قد يمرّ منه ذات يوم من قدِم لإمضاء الوقت من خارج الوطن، فما هي الصورة التي سوف يرسمها في ذهنه عن هذا الحال المتردية؟ وهذا مثال ليس إلا، وإلا فإن مقدرات ومرافق هذا الوطن هي لأبنائه قبل أن تكون للسائح والمقيم!، هذا "فساد" أخلاقي لم يُقضَ عليه بعد رغم كل وسائل التواصل الاجتماعي!، فمن ينقذ ذائقة المدن من مثل هذا الفكر "الشوارعي" الذي لم يجد مكاناً للتعبير عنه سوى الأسوار العامة وفوق الكباري وما تحت الأنفاق؟