كنت في حوار فاخر مع مجموعة من الأصدقاء في أحد مقاهي الرياض الهادئة. يمكن التمهيد لهذا الحوار باستعادة التفكير في الأحداث الأخيرة المتعلقة بمنع دول أوروبية أشكالا معينة من اللباس، والتي تجدد الأسئلة المتعلقة بموقف الدولة الليبرالية من الحريات الفردية.

من المعلوم أن الفلسفة الليبرالية تجعل من رفع مستوى الحريات الفردية هدفا أساسيا لها، وأنها تجعل الحد من هذه الحريات خيارها الأخير. بمعنى أنها مثلا تقدم حرية التعبير كحق فردي على اعتبارات أخرى كالمشاعر الوطنية. هنا نجد المحكمة الدستورية الأميركية تحكم سنة 1989 بأن من حق الفرد حرق العلم الأميركي على الأراضي الأميركية كتعبير عن الرأي حتى ولو آذى ذلك مشاعر الآخرين. السؤال المتجدد هنا هو: هل يحق للدولة الليبرالية منع الأفراد من ممارسة سلوكيات تراضوا عليها؟ الدولة لها حق منع الأفراد من جبر بعضهم بالقوة لكن ماذا لو تراضوا؟ مثلا ماذا لو رضيت امرأة ما بسيادة الرجل عليها وسلمته كل حقوقها؟ إذا كان المبدأ هو حرية الأفراد فإن مهمة الدولة يجب ألا تتجاوز التأكد من أن هذا القرار تم اتخاذه بحرية، أو أنه لم يظهر لها إشارات على الجبر واستخدام العنف. المبدأ هنا هو أن الليبرالية لا تبرر سوى التأكد من تراضي الأطراف عند التعاقد ولا تبرر رفض هذا التعاقد بسبب مضمون هذا التعاقد. سأحاول نقد هذه الأطروحة وبيان محدوديتها في تحقيق المبدأ الليبرالي في حماية الحريات الفردية.

في البداية يمكننا الكشف أن المبدأ السابق لا يمكن تعميمه. أو أن الليبرالية نفسها سترفضه في حالات واضحة كالحالة التالية: اتفق "أ" و"ب" بحرية كاملة على قبول "أ" بأن يقتله "ب". في هذا المثال نحن متأكدون أن "أ" كان في كامل قواه العقلية واتخذ القرار بحرية. هل يعني هذا قبولنا بهذا الرضا كمبرر لـ"ب" بأن يقتله؟ أراهن على رفض الغالبية لذلك. لاحظ هنا أن هذا المثال ليس مثالا القتل الرحيم. القتل الرحيم صيغته كالتالي: المريض يقول للطبيب أنا أموت وأطلب منك تعجيل هذا الموت. مثالنا يصر على أنه لا يوجد مبرر آخر لقبول القتل سوى رضى "أ". إذا كنّا لا نجيز قتل الناس لبعضهم حتى ولو كان ذلك بالتراضي فما الذي يمنعنا؟ أو ما المبرر الذي لا يتناقض مع الليبرالية والذي يسمح لنا برفض هذه الاتفاقية رغم أنها تمت بالتراضي؟ المبرر الذي أقترحه هو التالي: "لا يجوز القبول بتعاقد حتى ولو تم بالتراضي إذا كانت نتيجته القضاء على أحد أطراف العقد". عبارة "القضاء على أحد أطراف العقد" يمكن فهمها بمعنيين، الأول القضاء على حياته كما في مثال القتل السابق، أو القضاء على حريته كما في المثال التالي:

نفترض أن إنسانا قرر بكامل قواه العقلية وبحرية منح نفسه إنسانا آخر. أي أن يكون عبدا له، فما المبرر الليبرالي لمنع هذا العقد؟ بالتأكيد يحق لـ"أ" النطق بقبوله لاستعباد "ب" له. هذا مكفول له بحق التعبير، لكن هل هذا النطق يكفي ليبرر لـ"ب" التصرف كمالك لـ"ب"؟ جوابي هو الرفض للسبب الرئيسي التالي: نتيجة هذا التعاقد هو إلغاء حرية "أ". بمعنى أنه بهذا التعاقد يفقد حقه في تعديل أو نقض هذا العقد. لهذا السبب فإن الدولة الليبرالية يحق لها منع هذا التعاقد وفقا لمبدأ الحريات الفردية، أي بدون أن تناقض مبادئها. المثال هنا مناسب للإشارة إلى قضية مهمة جدا وهي أن الدولة الليبرالية معنية بحريات الأفراد "قبل وبعد" حالات التعاقد. هذا يعني ألا يترتب على حالات التعاقد سلب للحريات الفردية.

هذه الأطروحة مهمة برأيي في جدل: إلى أي مدى يمكن القبول بالتعددية الثقافية دون التضحية بحقوق الأفراد. في مجتمع ينتمي أفراده لثقافات مختلفة يجب حماية حقهم في اختيار نمط حياتهم الخاص. السؤال هنا ماذا لو ترتب على هذا قمع صريح وسلب لحقوق الأفراد؟ هل يمكن تبرير ذلك برضا الأفراد؟ أطروحتي هنا تقول إن الرضا القائم على الاختيار الحر يجب ألا ينظر له فقط قبل حالات التعاقد بل حتى بعدها. لذا فكل عقد يؤدي لسلب حرية أحد أفراده أو فرد آخر فيمكن الاعتراض عليه دون التناقض مع المبادئ الليبرالية. القانون العام هنا معني بحماية حرية الأفراد في تعديل ونقض العقد قبل وبعد التعاقد. يحق للفرد أن يعتقد أنه ليس حرّا رغم ما في هذه العبارة من تناقض، لكن لا يحق للآخرين التصرف معه بما يسلب حريته.

نلاحظ هنا أنني اخترت الاعتراض على الأطروحة السابقة نظريا ومن داخل الفلسفة الليبرالية ذاتها، وإلا فإنه يمكن الاعتراض عليها عمليا من عدة أوجه: مثلا وضع التراضي معيارا وحيدا لقبول أو رفض العلاقات سيؤدي لانتشار الجرائم. مثلا لو قدم لنا "أ" أدلة كافية أن "ب" قد سمح له بأن يقتله فإننا سنفتح بابا هائلا لجرائم القتل في المجتمع. هذه المشاكل العملية حقيقية، ويجب أن تدفعنا لمراجعة المبادئ النظرية لمبررات الدولة الليبرالية للتدخل في مضامين ونتائج التعاقدات الفردية.