محمد صنيتان النفاعي
كلف الإنسان بحمل الأمانة بعد أن عجزت عنها السموات والأرض، وكلف أيضا بعمارة الأرض منذ الخليقة، ولكن كيف يمكن تحقيق هذا الهدف من الجميع بالاستفادة القصوى من إمكاناتهم العقلية والجسدية؟ وهل الجميع على اختلاف مستوياتهم مساهمون في تحقيق هذا الهدف؟
هذا المدخل يقودنا إلى السؤال الرئيسي للموضوع، وهو كيف نحقق أفضل النتائج بالعمل مع الآخرين؟ وما الذي يجعل الإنسان لا يصل إلى النتيجة المبتغاة والمأمولة منه سواء كان رئيسا أو مرؤوسا؟
من وجه نظري أرى أن المسؤولية تقع على المسؤول الذي من واجباته وأساسيات عمله تطوير وتسخير إمكانيات الأشخاص لإتمام المهمة كبرت أو صغرت. وكما جاء في الحديث الشريف (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولا أخلي مسؤولية الموظف وهو الطرف الآخر والمهم من المعادلة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمِل أحدكم عملا أن يتقنه).
من الناحية العملية المسؤول تقع عليه مسؤولية أكبر هنا، فعليه أن يتفهم ويعرف مكامن القوة والضعف لدى المستخدمين لديه لإتمام العمل، حتى يصل إلى النتائج المرجوة بأفضل الطرق. فإن حصل خلل فهو من يتحمله في النهاية.
هنا تحضرني قصة في التراث عن تاجر استأجر صائغا ليصقل له قطعة ثمينة موجودة في منزله، على أن ينقده مائة دينار جراء عمله، الذي يستغرق يوما كاملا من الصباح حتى غروب الشمس. عند دخولهما الدار، شاهد العامل آلة طرب مركونة في طرف الفناء، فسأل التاجر عنها، الذي بدوره قال له إن كنت تحسن العزف فاسمعني شيئا، هذا العامل امتثل لأمر التاجر وبدأ العزف والغناء وكان بارعا جدا. مر الوقت وهما ما زالا في هذه الوضع من طرب وغناء والتاجر منسجم يهز رأسه طالبا منه المزيد حتى غربت الشمس وانقضى اليوم. هنا توقف الصانع وطلب أجرته المائة دينار! غضب التاجر لأن الصائغ لم ينجز له عمله الذي استعمله عليه. رد الصانع أنا امتثلت لأوامرك وفعلت ما تريد وأنت استعملتني ليوم كامل وقد انتهى وهذه ليست مشكلتي. في النهاية أعطاه الأجرة ولم ينجز عمله الأساسي.
في حياتنا العملية وداخل مؤسساتنا كم من القدرات والمكتسبات لدى الموظف التي لا تسخر بالطريقة الصحيحة لأسباب مختلفة. لذلك أسرد هنا ثلاث نقاط بسيطة ستساعد الطرفين على تحقيق أعلى استفادة من إمكانياتهما، من أجل تحقيق نتائج مشتركة مبهرة تصب للصالح العام داخل أي مؤسسة:
أولا: النقاش المفتوح والواضح بين الطرفين للتعرف على المهارات والرغبات ومن ثم تحديد الأهداف حسبما تقتضي الأهداف العامة للمؤسسة مع عدم التغاضي عن الأهداف الشخصية.
ثانيا: متابعة تطور الأمور والتأكيد على عدم الانحياز عن الأهداف الرئيسية والانشغال بأمور ثانوية وإعطائها الأولويات. يتم ذلك بدعم الجهود وسد النواقص في المهارات والمتابعة الدقيقة.
ثالثا: تقييم النتائج وتحديد نقاط القوة والضعف وبناء إستراتيجية معدلة بناء عن النتائج للخطة القادمة.
في النهاية يجب التأكيد على أن نستثمر دائما في نقاط القوة لدى الموظف حتى لا يفقد الثقة في إمكانياته وقدراته، ومن ثم مع مرور الوقت نبدأ بمعالجة نقاط الضعف لديه من خلال إسناد مهمات محددة تسمح له بتطوير قدراته من خلالها، وليس من خلال النصح المباشر الذي قد لا يؤتي بثماره المأمولة.