من المؤكد أن شيئاً ما حدث للشاعر العربي جعله يغيب عن الواقع ويعلن استسلامه للذاتي والشخصي، بعدما كان الهم العام شاغله الأول ونافذته التي يطل منها على الواقع، فاعلاً ومحركاً، منطلقاً من صدق انتمائه، ذلك الانتماء الذي أصبح يمثل إشكالية كبرى في ظل واقعنا الراهن الذي أنتج بشكل أو بآخر مثل هذه الحالات من الفصام البيِّن بين الشاعر وهموم وآلام وآمال أمته، حتى غدا المتلقي بعيداً تماماً عن مفردات الشاعر، الذي انكفأ على عالمه الخاص، وأغلق عليه خياله مكتفيا برصد أطلاله أو البكاء عليها. حتى الذين طمحنا ذات يوم أن يحملوا الراية، ارتموا في أحضان التمائم الغربية طمعاً في إحدى جوائز الغرب التي لا بد أن يدفع ثمنها مضاعفاً على حساب القيمي والموروث، فغاب النص الحقيقي وتلاشى الإنسان كما تلاشت الأوطان من ذاكرة الشاعر!.

هذا فضلاً عن أن كثيراً من الشعراء اليوم، يعمدون إلى الغوص في أعماق النفس البشرية، في محاولة لفك رموزها، وهذا ليس عيباً، ولكن أن تأتي هذه المحاولات بعيداً عن الواقع، بشكل ميتافيزيقي، يكرس لمفهوم العدمية، وينأى عن الممكن ـ حتى في الخيال ـ فإن ذلك يُفقد هذا النوع من الأدب مصداقية التجربة، وافتراضية التواصل مع المتلقي، ومن ثم يصبح الإبداع كعدمه.

ومهما حاول أصحاب هذا الاتجاه التكريس لمقولة إن الشعر "فن الخاصة"، وإن المتلقي ينبغي عليه أن يجهد نفسه في فهم النص ـ وهذا كله صحيح ـ فإن الغموض الذي يغلف أعمالهم إلى درجة التعتيم، بالإضافة إلى النزعة الفلسفية العميقة، وتمثُّل التجارب الغربية ومحاولة إضفاء مدلولاتها الغريبة على واقعنا الشرقي، كل ذلك يجعل نصوصهم تستعصي حتى على النقاد المتخصصين، فما بالنا بالمتلقي الذي يعتمد الذائقة سبيلاً إلى الفهم ومعايشة النص!.

شعرنا العربي – مع الأسف الشديد – يعيش مرحلة من الخمول الفني والاستسهال الكلامي، تنذر باختلاط الفن بالكلام المشاع، ولم لا وكل من كتب أسطراً ثم قطّعها سماها شعراً، وإن اختلت لديه كل معايير الفن والبلاغة والخيال سمى كتاباته (قصيدة نثر)!.

ومع الأسف الشديد فإن نموذجاً من النماذج التي كنا نأمل أن تعيد للشعر رونقه كأدونيس – مثلاً – لم نعد نرى منه إلاّ عبارات أقرب للفلسفة من الشعر، وللصنعة من الصدق، فصار الكلام مسخاً مشوهاً لا يُطلق عليه شعراً إلاّ البعيدون كل البعد عن الإنصاف والحياد!.

باختصار شديد: الشعر العربي يحتضر، ومن يظنون أنهم فحوله في عصرنا هذا، ليسوا إلاّ سكينا حاداً يبتر ما تبقى له من جلال، و... فقط محمود درويش يستحق أن نقرأ له الفاتحة!.