تُعنى السياسات السكانية بجميع الإجراءات والأنظمة والقوانين ذات الصلة بالسكان من حيث حجمهم ومعدلات نموهم وتركيبهم الديموجرافي (العمري، النوعي) وتوزيعهم وحركتهم داخل الدولة أو الهجرة إليها، ويشمل ذلك تنظيم تدفق العمالة الوافدة أو هجرة الكفاءات الوطنية إلى خارج البلاد؛ كما تُعنى بالاهتمام بخصائص السكان الاجتماعية والاقتصادية وما يتعلق بها من برامج تنموية مختلفة، كالإسكان والزواج والرعاية الصحية والوقاية من الأمراض، أو التعليم بمختلف مستوياته والتدريب المهني والفني والتقني بمجالاته المختلفة؛ بل وجميع ما يتصل بتنمية الموارد البشرية ويحقق الارتقاء بها وبجودة أدائها وصولاً إلى التنمية المستدامة، كتنمية القوى العاملة بصفة خاصة، وتنمية كافة فئات المجتمع وتمكينهم من المشاركة في الحياة الاجتماعية والمسيرة التنموية لأوطانهم، سواء كانوا أطفالا أم شبابا أم إناثا أم مسنين أو من ذوي الإعاقة، بما يحقق لهم العيش الكريم والحياة المستقرة الآمنة حاضراً ومستقبلاً.
وكما تختلف الدول في سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية التي تبنى على مصالحها الوطنية وتطلعاتها الإستراتيجية؛ فإن سياسات الدول السكانية تختلف تبعاً لمواردها الطبيعية والبشرية المتاحة من جهة؛ وتبعًا لرؤاها الإستراتيجية وتوجهاتها التنموية الأولوية وبما يحقق أهدافها وغايتها التي تسعى إلى تحقيقها حاضراً ومستقبلاً من جهة أخرى.
وتختلف تلك السياسات ما بين سياسات ضمنية غير معلنة، أو صريحة ومعلنة يعلمها جميع السكان من خلال ما يتم نشره من إجراءات وقوانين أو تشريعات مختلفة ذات صلة بالسكان والتنمية البشرية في جميع مجالاتها، والتي قد يتم توثيقها بوثيقة سياسة سكانية -وهو الأمثل- تتضمن غايات الدولة وأهدافها وفق إستراتيجيتها المرسومة وتطلعاتها التنموية؛ ويتم تحديث تلك الوثيقة ومراجعتها من فترة لأخرى تبعًا للتغير الذي يطرأ على الخصائص السكانية والرؤى الإستراتيجية من جهة؛ وما تحتاجه من برامج تنموية مستهدفة تتواءم مع تلك الخصائص السكانية سواء كانت تلك الخصائص ديموجرافية أو اجتماعية واقتصادية مختلفة.
وإن الدول التي تواجه خللا أو تعثرا في تنمية مواردها البشرية أو في استثمارها بالشكل الصحيح بما يتفق أو ينسجم مع مسيرتها التنموية وثرواتها المتاحة؛ فإن ذلك دليل على أن هناك خللا ما في السياسات السكانية الموضوعة، والتي لم يراع فيها المواءمة والانسجام ما بين خصائص السكان وبرامج التنمية المختلفة؛ ويكون سبب ذلك إما عدم التنسيق والموائمة ما بين قطاعات التنمية البشرية المختلفة بما يتفق ويتواءم مع الخصائص السكانية الموجودة، أو عدم المراجعة المستمرة للخطط الموضوعة والتي يجب أن تتغير ويتم تحديثها تبعاً للتغير المستمر في الخصائص السكانية المتاحة والإستراتيجيات الوطنية المتغيرة. ولما كان العامل السكاني الديموجرافي يشمل حجم السكان ومعدلات نموهم وحركتهم والهجرة إلى البلاد أو منها، فإن تلك العملية ديناميكية، أي أنها تتعرض للتغير المستمر بما يتطلب تغيير وتطوير مستمر لخطط التنمية ذات الصلة؛ بما يتواءم وينسجم مع خصائص السكان المتاحة.
لذلك فإن حجم السكان ومعدل نموهم لا يُلاحظ فجأة أو يكتشف على غِرّة، إذ إن تعدادات السكان الرسمية والتقديرات التي تليها؛ والتي تبنى على التعداد السابق له ومعدلات النمو فيه، أو المسح الديموجرافي؛ تعتبر مؤشراً مؤكداً لواقع السكان الطبيعي سواء من حيث الحجم ومعدل النمو أو من حيث التركيب الديموجرافي النوعي والعمري؛ بما يُمكّن من وضع خطط تنموية ملائمة لتلك الخصائص السكانية ليس حاضراً فقط، وإنما في المستقبل القريب كذلك. بمعنى أنه إذا كان تعداد السكان أو تقديراته تشير إلى ارتفاع في نسبة السكان من الفئة العمرية من (0-14) سنة إلى نحو 35% من جملة السكان، فذلك مؤشر على أنه بعد 10 سنوات ستكون شريحة كبيرة من تلك الفئة العمرية قد بلغت سن قوة العمل من (15-24)، وذلك يقضي بتوفير مشاريع تنموية وبرامج وطنية مختلفة ذات صلة بالتنمية بصفة عامة وبسوق العمل على وجه الخصوص، وبما ينسجم مع ذلك الحجم القادم من السكان ليأخذ فرصته من التنمية في الرعاية الصحية والتعليم والتدريب أولاً ثم في المساهمة في سوق العمل والفرص المتاحة له ثانيًا؛ والتي تكون قد بنيت على خطط إستراتيجية تراعى فيها تطلعات الدولة التنموية والخصائص السكانية المتاحة والمستقبلة.
وبناءً على ذلك فإن أي قصور أو عدم تنسيق ما بين تلك السياسات السكانية والتي تشمل السكان والتنمية على حد سواء؛ ينجم عنه إشكاليات اجتماعية واقتصادية وأمنية مختلفة تقف حجر عثرة أمام تحقيق منجزات تنموية مأمولة تتناسب مع الجهود والثروات والموارد البشرية المتاحة؛ ومن تلك الإشكاليات التي قد نغفل عن علاقتها بمضمون السياسات السكانية وأهدافها وغاياتها؛ المشكلات ذات الصلة باستقرار الحياة الأسرية والإسكان والبطالة وعدم التأهيل المناسب للموارد البشرية وعدم وجود فرص عمل مناسبة وكافية؛ وما ينجم عن ذلك من سلبيات تنعكس على السلوك الاجتماعي والفكري للأفراد، خاصة الشباب منهم نتيجة للقصور في احتوائهم وفي استثمار طاقاتهم الدفينة لإثبات ذاتهم اجتماعياً ومهنياً.