السؤال الأساسي الذي يحرك هذا النقاش هو: هل يمكن ليبراليا تبرير تقييد تعاقدات الأفراد القائمة على التراضي؟ الجواب المتعارف عليه هو أن هذه التعاقدات يمكن تقييدها إذا تسببت بالضرر المباشر والواضح على الآخرين. لكن ماذا عن التعاقدات الاختيارية التي لا ينتج عنها ضرر واضح ومباشر؟ هناك أطروحتان: الأولى، أنه لا يوجد مبرر ليبرالي لتقييد تلك التعاقدات، باعتبار أن دور الدولة الليبرالية ينحصر في التأكد من كون تلك التعاقدات تمت بشكل حر. الأطروحة الثانية، والتي حاولت دعمها الأسبوع الماضي، تقول بإمكان تقييد تلك التعاقدات إذا كانت نتيجة تلك التعاقدات تؤدي إلى القضاء على الفرد أو حريته. المثال الحاد الذي استخدمته هو التعاقد بين "أ" و"ب" ليقوم "ب" بقتل "أ". غالب الناس ستوافق على تقييد هذا التعاقد باعتبار أن نتيجته تؤدي إلى القضاء على أحد أطراف العقد. المثال الآخر هو لو طلب "أ" من "ب" أن يستعبده. قلنا إن حرية التعبير تكفل لـ"أ" أن يعلن عبوديته لـ"ب"، ولكن لا يحق لـ"ب" التحرك والتصرف بناء على هذا التعبير. هذا التعاقد يؤدي لإلغاء حرية "أ" وبالتالي لا يمكن قبوله ليبراليا. المبدأ العام هنا هو أن الليبرالية معنية بحماية حرية الأفراد (قبل وبعد) التعاقد. السؤال الذي أرغب التفكير فيه هنا هو معنى الطرح السابق عمليا، أي على سلوك الدولة والقوانين المتعلقة بها.

بشكل عام، فإن الدولة تتأكد من التعاقدات بطريقتين: الطريقة الأولى حين تشترط إشراف جهة ثالثة رسمية على التعاقد، والتأكد من توافقه مع الاشتراطات المطلوبة. الزواج مثال على هذا الشكل. الحالة الثانية تتمثل في تدخل الدولة في حين البلاغ عن تعاقد مشكل. على سبيل المثال حين يتعاقد "أ" و"ب" على أن ينقل "ب" أثاث "أ" ويحدث بينهما اختلاف فإن الدولة تتدخل، وإن لم تشرف على التعاقد الأول. هذه الصورة تبقي على بعض المشاكل بلا حل. مثلا في المجتمعات المتعددة ثقافيا تلجأ بعض الجماعات للانعزال النسبي عن المجتمع الأكبر وعن أجهزة الدولة. مثلا الآمش في أميركا جماعة محافظة تميل للانغلاق على ذاتها وإدارة شؤونها الخاصة من خلال تنظيماتها الداخلية. في مثل هذه الحالة سيكون من الصعوبة التعرف على حال التعاقدات ومدى رضا الأفراد عنها. الموقف العام أن تنتظر مؤسسات الدولة تقديم شكوى للتدخل. لكن هذا ليس كل شيء. ماذا عن دور الدولة في إطلاع المواطنين الصغار على حقوقهم الدستورية؟ وماذا عن تعارض تلك الحقوق مع معتقدات الجماعة؟

هذه الإشكالية طرحتها الفيلسوفة سوزان أوكن في كتابها Is Multiculturalism bad for women? "هل التعددية الثقافية سيئة للنساء؟". في هذا الكتاب تطرح سوزان هذه المشكلة: ماذا لو تعارضت التعليمات الثقافية مع الحقوق الأساسية للأفراد؟ على سبيل المثال ماذا لو كانت هناك جماعة تعتقد أن تعاليمها الثقافية تمنع النساء من التعليم؟ هل يمكن للدولة الليبرالية قبول منع النساء من التعليم باسم التعددية الثقافية؟ تقول أوكن إن حقوق الأفراد لها الأولوية على الأطروحات الثقافية وأن الدولة مسؤولة عن ضمانة تلك الحقوق. التعليم عادة وسيلة تصل من خلالها مؤسسات المجتمع إلى الأفراد بشكل مباشر. لكن نعلم أن التعليم المؤسساتي ليس مطلوبا من الأفراد. بمعنى أن التعليم ضروري ولكنه لا يشترط أن يكون رسميا. كثير من الأطفال في أميركا لا يذهبون إلى المدارس ولكنهم يتعلمون. يتم اختبار الطفل من جهات رسمية مرة في الفصل الدراسي للتأكد من وصوله إلى المستوى التعليمي المناسب لعمره.

القلق الذي تثيره مثل هذه الأطروحات هو قلق من تغلغل الدولة في تفاصيل حياة الناس. هذا القلق ممكن أن ينتج عن تجارب سيئة مع أشكال معينة من الدولة أو قد ينتج عن ريبة جوهرية في مؤسسة الدولة مهما كان شكلها. هنا تكون الموازنة قائمة بين تلك الريبة وبين واقع انتهاك حقوق الأفراد. لا أظن أصحاب الأطروحة الأولى سيختلفون مع مبررات هذا القلق وما ينتج عنه من اعتراضات. ردودهم ستكون شيئا قريبا من:

1 - سنراقب الدولة ومؤسساتها من خلال مؤسسات المجتمع المدني والإعلام والحراك الشعبي.

 2 - أعطونا بديلا حقيقيا لا يتضمن مؤسسات الدولة ولن نتردد في قبوله. المهم هنا ألا نترك الحقوق الأساسية للأفراد عرضة للانتهاك بدون تدخل بسبب دعاوى التعددية الثقافية أو بسبب الارتياب الجوهري من مؤسسات الدولة.

في الختام لا بد من التذكير أن التفكير في القضايا الاجتماعية لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار تعقيد تلك القضايا وتعدد العوامل المؤثرة فيها، كما يأخذ بعين الاعتبار حجم تلك القضايا والبطء الطبيعي المرافق لحركتها. كل هذا يجب أن يدفعنا لتجنب الحلول الجذرية والسريعة، باعتبار أن نتائجها السلبية قد تفوق الفوائد المرجوة منها. التجربة تقول إن الرهان على الزمن مع توفير الشروط العريضة العامة لكفالة حرية الأفراد كفيل برفع مستويات حقوق الأفراد والجماعات مع الوقت. الموازنة بين حق الإنسان في أن يعيش كما يشاء وبين أثر ذلك على من حوله ليست واضحة ولا مباشرة، وتحتاج قدرا كبيرا من الصبر والمحبة والنوايا الحسنة.