"كان والدا شاب جبلي يعارضان زواجه من فتاة روسية على ما يبدو، كانت الفتاة تحب فتاها الآفاري كثيراً، وذات يوم استلم منها رسالة مكتوبة باللغة الآفارية، أرى الشاب والديه الرسالة فقرآها وهما لا يصدقان عيونهما، وكان من شدّة ذهولهما، أنهما سمحا على الفور لابنهما، وهما يمسكان بهذه الرسالة غير العادية، أن يأتي بالفتاة إلى بيتهما".
قرأت هذا النص أكثر من 10 مرات، وكنت كلما ذهبت أترجل بقدمي منطلقة في رحاب الله العامرة، تأتي صورة هذا القصة في رأسي، تندفع دون توقف، تتوارد المشاهد بترتيب دقيق، وأنا أتخيل أدق التفاصيل التي رافقت القصة، حيث أوردها رسول حمزاتوف في كتابه "داغستان بلدي"، إلى أيّ مدى بلغ اعتزاز هذان الداغستانيان ببلادهما وإلى لغتهما الخاصة، حتى إنهما وافقا على الفور بعد أن اكتشفا أن فتاة ابنهما قررت أن تجيد اللغة الآفارية، كرما للرجل الذي أحبته، في النهاية الشاهد في القصة، هو ذلك التطرف العميق تجاه الوطن مهما كان اسمه ولونه وثراؤه، فللوطن خصوصية من الحب الذي لا يمكن أن يتجلى بالسهولة التي يعلنها البعض، البغض الذي يأتي بسبب قوانين ما، الكراهية التي تنهمر حيث تطغى الأنانية الفردية، في ابتغاء أن يكون الوطن كاملاً، على الرغم من أن المواطنين ذاتهم غير كاملين البتة، لكن في النهاية لا يمكن لك أن تجرد أحداً من وطنيته لأنه لم يجد أن الوطن يليق بأفكاره، لنكون أكثر لطفاً وإحساناً ولنقل بأن البعض يريد أن يكون وطنه في أتم عافيته، من دون أن يكون جلاداً على أفكاره وأطروحاته.
في مدينة كان الفرنسية حيث أكتب الآن مقالي، لأول مرة أشعر بمعنى العنصرية الفرنسية تجاه العرب، لم أواجهها بشكل كبير إلا في سنوات بعيدة خلت، واختف لسنوات ولكنها الآن عادت للتصاعد والظهور بشكل علني ومخيف، إذ إن عليك أن تحترس من تصرفاتك، ألفاظك، حركة جسدك، الأمر ليس بالبساطة التي يمكن أن تتصورها، الأمر أكبر بكثير مما أكتبه. العنصرية تواجهك في كل مكان، حتى وأنا أنتظر دوري في مطعم إيطالي، عليك أن تعتاد على الوجوه العابسة من الجرسون الذي يدفعك بكوعه وكأنك شبح لا تُرى، تتغير خارطة ملامحك فتسمع صوتا عربيا يقول لك "لا عليكِ، هذا وطنهم وما حدث لهم من بعض أفراد الجالية العربية المسلمة، يجعل قلوبهم ممتلئة بالغضب والحقد علينا، لذا فنصيحتي لك ألا تظهري أي استهجان".. نظرت إلى الرجل العربي وشكرته على نصيحته، نعم، إنه الولاء للوطن وما يقوم به الجرسون أو غيره، ربما هو مجرد تصرفات فردية، لكن علينا أن ندرك أن هذا من حقهم، التعبير عن الغضب من الأحداث التي أهلكت المدن الفرنسية من قبل الدواعش أو الأحزاب الإرهابية الأخرى.
لم أواجه فقط تصرف هذا الجرسون أو غيره في المقاهي والمطاعم الأخرى، ولكن حتى مع سائقة التاكسي التي صرخت عالياً، لأن عامل الفندق فتح الباب الأمامي، وقد خشيت من حدوث مكروه لها، وبعد تفاهم استغرق دقائق استوعبت أن العامل لم يفتح الباب الأمامي إلا لكي أتحدث معها، فهل يمكن أن نلوم الفرنسيين على هذا الكره والخوف من أي عربي؟ وهل هذه الصورة هي التي نريد من العالم أن يرانا عليها، أننا مجرد أجساد مفخخة بالقنابل، لا نسعى إلا إلى القتل ونشر ثقافة الكراهية وتدمير الدول الهانئة؟ هذا ما يتصوره الكثيرون من الفرنسيين، بعكس المواطنين الإسبان والألمان الذين يتفهم الكثيرون منهم أن معظم ما يجري من أحداث إرهابية ما هو إلا لعبة سياسية هدفها وضع يد بعض الدول على النفط العربي، وتقسيم الشرق الأوسط.
ما أقوله ليس من بنات أفكاري، كانت الآنسة الألمانية التي تعيش في برشلونه، وتعمل في صالون حلاقة للسيدات، تتحدث عن الأحداث السياسية بسهولة وببساطة، وتقول إن الفرنسيين ما هم إلا شعب متعجرف وغبي، بالنسبة لي لا أستطيع أن أحكم على درجة ذكاء الفرنسيين، أما العجرفة فبالتأكيد أوافق الآنسة الألمانية على ما ذكرته وهو ليس بالأمر الجديد، وقد كنا نتخيل ونتصور أن هذه العجرفة حتى وقت قريب ستكون من الماضي، وأنه لم يعد لها وجود يذكر، ولكن الحقيقة المُرة تشير إلى أن هذا السلوك الفرنسي للأسف يتلاشى ويظهر بين حين وآخر، ويبدو واضحاً للعيان أنه بعد الأحداث الأخيرة يجزم الفرنسيون بأن العرب لا يستحقون أي مودة أو محبة، وأنهم دعاة للإرهاب ولا شيء آخر، الأمر مؤسف ومخيف ويذكرنا بأحداث 11 سبتمبر وما خلفه الإرهاب بعد ذلك من تغيير مُرعب في خارطة العالم، التغيير لم يكن على مستوى الشرق الأوسط فحسب، ولكنه شمل العالم بأكمله.
فإذا كان أهالي داغستان يعتزون بلغتهم الأم الآفارية، فما بالك بشعب مثل الشعب الفرنسي الذي صورته الأفلام الهوليوودية وصور الكارتون الشعبية على الدوام بأنفه المرتفع دوماً!