جاء إعلان وقف إطلاق النار الأخير في سورية، من وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرجي لافروف، وقد أدى ذلك الإعلان إلى أن يأمل البعض في أن النزاع الذي خلَّف مئات آلاف القتلى، وأدى إلى نزوح معظم السكان، يتجه نحو النهاية، لكن للأسف من غير المرجح أن تتحقق تلك الآمال.
ومن أساسيات اتفاق الهدنة وقف أعمال العنف الذي يمارسه النظام السوري المدعوم من روسيا، والمعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة وعدد من دول الإقليم، للتمكن من دخول المساعدات الإنسانية إلى مدينة حلب المحاصرة، على أن تعقب ذلك جهود عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وروسيا تتمثل في قصف جوي على مواقع تنظيم داعش وجبهة النصرة والمجموعة التابعة لتنظيم القاعدة.
ومن أساسيات الهدنة أيضا التزام روسيا بإقناع الشريك السوري لوقف الهجمات على الجماعات السُنّية المعارضة في المناطق المدنية، في حين تلتزم الولايات المتحدة بالضغط على كثير من تلك الجماعات المعارضة للحد من هجماتها على مواقع الحكومة.
إذًا، ما فرص أن يتحقق هذا العمل؟ قد يكون الروس راغبين في وقف إطلاق نار محدود الآن، بعد دعمهم لإيران لتعزيز مواقع النظام السوري وتأمين مستقبله القريب. ومن جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بلا شك إنه يرحب بهذه الفرصة ليظهر بمظهر أنه رجل السلام، بعد استخدامه القوة العسكرية لتعزيز أهدافه في جورجيا وأوكرانيا وكذلك سورية.
وعلى العموم، إن تنفيذ الهدنة على أرض الواقع يسير بشكل مختلف، إذ منذ بدايتها حدثت انتهاكات متفرقة، والمعروف أن لدى النظام السوري سجل سيئ في قلة التزامه بالهدنة، وكذلك عدم التزام بعض التنظيمات المعارضة بها.
كما أن بعض اللاعبين الآخرين، كإيران وحزب الله وتركيا وجبهة النصرة، لديهم من الأسباب ما يدفعهم للاستمرار في نهجهم السابق، والواقع أن النزاع في سورية هو أكثر من نزاع.
وبجانب الصدع الرئيسي الذي بين نظام الأسد ومختلف جماعات المعارضة، هناك مشكلات أخرى، على الأخص بين الأتراك والأكراد السوريين، وبين الولايات المتحدة و"داعش".
فتركيا الآن أكثر اهتماما بإضعاف الأكراد السوريين الذين يريدون كيانا أو دولة خاصة بهم، وبالتالي فإن تركيا أقل اهتماما بتقويض "داعش" أو نظام الأسد. وفي الوقت نفسه، يريد حزب الله وأنصاره الإيرانيون الحفاظ على الحاجز المنشأ على طول الحدود السورية مع لبنان.
باختصار، هناك كثير من اللاعبين مع أجندات متضاربة لوقف إطلاق النار.
ومن تعقيدات الوضع في سورية، يُستنتج في النهاية أن هذه الهدنة لن تنهي النزاع، ولن تمهد حتى لمرحلة الانتقال لحكومة وحدة وطنية لما بعد الأسد، والتوقع الأكثر واقعية سيكون الحد من الخسائر البشرية وحماية المدنيين بشكل أكبر. وقد يبدو هذا الهدف متواضعا، لكن في الشرق الأوسط حتى ما هو متواضع يمكن أن يكون طموحا.