أن نرفض أمراً ما لأننا لا نستوعبه عقلياً أو منطقياً فنحن لا نفكر بطريقة علمية، فالعلم لا يصدق ولا يكذب إنما يعتمد على التجربة، المعمل والمختبر والمعادلات أولاً ثم النتيجة، التجربة والفحص العلمي ثم يأتي التقرير إما بالرفض أو القبول أو وضع علامة التعجب.
مثلاً، أن يأتي من يدعي أن به قدرة خارقة للطبيعة فالمفترض أن يتم إخضاعه لأدوات العلم، أن يجر من مختبر لمعمل ويتم إجباره على إظهار قدرته المزعومة أمام مرأى العلماء، فإن تأكدوا أنه فعلاً يمتلك هذه القدرة ولم يتوصلوا إلى تفسير علمي لها حينها يتم الاكتفاء بوضع علامة التعجب كدلالة على محدودية العلم.
فما هي الكرامات؟ ما هي القدرات البشرية الخارقة؟ ما علاقة الأولياء بالموضوع أصلاً؟! مبدئياً، القدرة البشرية الخارقة للطبيعة ببساطة هي قدرة طبيعية جداً في الإنسان ولكن تم تضخيمها، فالإنسان الطبيعي يستطيع بدون آلة أن يجري عمليات حسابية ما بين بسيطة إلى متوسطة لتأتي القدرة الخارقة بإجراء عمليات حسابية معقدة جداً وبسرعة تفوق سرعة الآلة. الإنسان الطبيعي يحفظ آلاف المعلومات لتأتي القدرة الخارقة بحفظ ملايين المعلومات، الإنسان الطبيعي يستطيع أن يسحب جسم وزنه 100 كيلو مثلاً لتأتي القدرة الخارقة بسحب سفينة أو طائرة، مثل هذه القدرات أحياناً يتم اكتسابها بالتدريب، وأحياناً توجد في الإنسان تكرماً من الله، وقد تحدث مصادفة وفي ظروف محددة كقدرة الأم على الإحساس بولدها المسافر إن وقع له مكروه، وهكذا.
إن لكل قدرة خارقة للطبيعة أساساً من طبيعة الإنسان، وما لا أساس له في طبيعة الإنسان فلا يلتفت له من الأساس، كالطيران مثلاً، من يدعي أنه يتمتع بالقدرة على الطيران فهو إما كاذب أو دجال، كون الطيران ليس من طبيعة الإنسان.
فما هي الكرامات؟! يمكن القول إن الكرامات هي المصطلح الشرعي للقدرات البشرية الخارقة، إن كانت القدرة الخارقة في إنسان من عامة الناس فتسمى قدرة خارقة فقط، وإن كانت في رجل دين فتسمى كرامات، إنهما نفس الشيء تماماً إلا أن لكل مصطلح منهما هدفاً مغايراً، فالقدرة الخارقة تصلح للعروض الترفيهية، سواء في الإعلام أو السيرك، بينما الكرامات تتم إحاطتها بهالة من القدسية وتوصف بأنها الامتداد الطبيعي لمعجزات الأنبياء، رغم أنها أبداً ليست امتداداً لتلك المعجزات، فالمعجزة هي فعل أو عمل يتعارض مع المنطق البديهي المتعارف عليه لدى كافة الناس، كالقول إن النار مصدر للحرارة، هذا القول منطقي بديهي يتفق عليه كل البشر، لتأتي المعجزة بتحويل النار إلى برد وسلام فتضرب أساسات هذا المنطق.
فما علاقة الأولياء بالكرامات؟! لا شك أن بيننا أناساً صالحين أخياراً، أولياء لله لكنهم بلا قدرات خاصة –كرامات- وقد يحدث أن يتكرم الله على بعضهم بقدرات خاصة، لكن ليس لأنهم أولياء صالحون، إنما لأنهم مجرد بشر، وفي عالم البشر يحدث هذا الأمر غير الطبيعي بصورة طبيعية، ويحدث للمسلم كما يحدث للمسيحي كما يحدث للعلماني وحتى الملحد، بل إن البوذيين يعتبرون أكثر الناس قدرة على اكتساب مثل هذه القدرات كون عبادتهم قائمة على الانغماس في جلسات تأملية ورياضات روحية وعمليات تحفيز للقدرات البشرية الخفية، فهل نعدهم أولياءً كأوليائنا أم نقر ونعترف بأن المسألة برمتها لا علاقة لها بكون الإنسان صالحاً أم طالحاً، إنما هي قدرات من طبيعة الإنسان ويجب أن تتوقف عند هذا الحد، قدرات توضح أن في الإنسان من الخبايا ما لا نعلم عنها شيئاً.
الأمر ليس كما يصورونه لنا، أن القدرة الخارقة "الكرامة" بمثابة جائزة يقدمها الله لمن يلتزم بشروط مذهبية أو طائفية محددة، إنها مسألة تجعلنا نزداد إيماناً بالله، لا أن نتقرب إليه بالتمسح في الأولياء أهل الكرامات، فليس شرطاً أن يتمتع الأولياء الصالحون بقدرات خارقة، وليس شرطاً أن من يتمتع بقدرات خارقة فهو من الأولياء. وأي إنسان يزعم أن له قدرة تناطح معجزات الأنبياء فهو ليس ولياً إنما أفاك. أما إن كان يزعم أن له قدرة خارقة لها أساس في طبيعة الإنسان فهذا لا يتم التقرب به إلى الله، إنما يتم إخضاعه لأدوات العلم، ويجر إلى المختبرات كي يتم عرضه على العلماء لفحصه، فإن ثبت علمياً صحة دعواه يُقال: سبحان الله وكفى، بلا أي إضافات، لأن مثل هذه القدرات مكانها الطبيعي في السيرك أو التلفاز كمادة للترفيه، وليس في حلقات العلم والذكر والإفتاء وعرضها أمام الجموع للإيهام بأن صاحبها يحظى بمكانة خاصة عند الله.
الخلاصة، أن هذه ليس دعوة لإنكار الكرامات، إنما هي دعوة لعقلنة الكرامات، فالكرامات هي المصطلح الشرعي للقدرات التي يتكرم بها الله على بعض خلقه، بغض النظر عن عقائدهم وأعراقهم، بغض النظر عن إيمانهم من عدمه، وهذه القدرات موجودة في عالم البشر وملاحظة ولا يمكن إنكارها، والعلم اليوم قد درس الكثير من هذه الحالات ثم قدم لنا شروحاً وتفاسير جعلتنا قادرين على فهم المسألة منطقياً دون الحاجة إلى إضافة بهارات مقدسة تزيدنا تشبثاً بالخرافة.