في القضايا التنموية، لم تكن الوطنية لتقاس يوما بالتطبيل لمسؤول ما وهو لا يستحق الثناء، أو لقرار به عوار يُراد تمريره، فمن يسعى إلى ذلك لا يختلف عمن يحترف التضليل ويزيف الحقائق، وهما أمران لا يمكن أن يبررا كوسيلة في سبيل الوصول إلى غاية إثبات الوطنية.

في المقابل، ليس كل من يتناول شأنا داخليا بالنقد البنّاء، هو عديم وطنية، ويسعى إلى خراب بلاده، فقد يكون نقده من منطلق حبه لوطنه، وسعيه إلى الإصلاح، وعدم قبوله بأنصاف الحلول في قضاياه. هو يحلم ببلوغ بلاده إلى منتهى مراحل الكمال.

أصبحنا أخيرا أمام ظواهر طغت فيها المزايدات على الوطنية، فيُنظر إلى من ينتقد بأنه مغرض، والوطنية لدى البعض تتجلى بالإطراء على المسؤول الفلاني، ولو كان متقاعسا عن أداء واجباته، أو صاحب قرارات مسيئة للوطن والمواطنين.

الأخطر أن هناك من يتجاوزون إلى تنصيب أنفسهم أوصياء على الوطنية، يوزعون صكوكها على من يشاؤون، وينزعونها عمن يشاؤون، وإن لم يجدوا ما يدين مخالفيهم في الرأي، غاصوا في نواياهم ليشكلوا بأنفسهم ما يرونه إدانة لهم.

أولئك يرون أن المتزلف هو المواطن الحق، ولو كان منطلقه المصلحة الشخصية التي تجعله يسعى إلى إظهار وطنيته بمديح كل شيء.

الوطن في غنى عن أولئك الذين يتحرك مؤشر وطنيتهم حسبما يجنونه من مكاسب مادية، هم ليسوا سوى شوكة في خاصرة أوطانهم.

من أجل ذلك، لا يمكن أن نغض الطرف عن قضايانا الوطنية وأزماتنا الداخلية، لمجرد الخوف من ردة فعل أولئك المنتفعين وتصنيفاتهم، فالنقد البنّاء إحدى أدوات الإصلاح، ولو لم يكن ذلك ما قَبِل به أصحاب القرار كأداة لإظهار المعوج، تمهيدا لتقويمه.

نحن اليوم نحتفل بيومنا الوطني الـ86، بقلب ينبض بحب الوطن، وعيون ترقب تطوره، وسواعد تسهم في بنائه، وعقول تفكر وتميز، فتثني على العمل وتنتقد الخلل، غير آبهة بأي قالب توضع فيه.

كل عام ووطننا يسارع إلى المجد والعلياء.