جمالية الإسلام في بساطته، وقيمته في أن بساطته لم تفقده شموليته، لا تعقيدات طقوسية، لا تسلسل هرميا، لا رتب ولا مناصب ونياشين، والنبي –عليه الصلاة والسلام- حرص وهو المتربع على القمة ألا يتميز عن البقية رغم استحقاقه لكل تمييز وتعظيم وتفخيم، إنه لم يفعل كي لا يترك للمسلمين إسلاماً ذا بناء معقد كالبناء المؤسساتي أو العسكري الصارم، حيث هنالك آمِر ومأمور، رئيس ومرؤوس، وقوانين محددة للارتقاء، حيث هنالك زي لكل مقام وشارات تُمنح للتفخيم والتمييز، إنما أراد الله إسلاما متينا سلسا يُنظِم أتباعه بتعزيز الفردانية مع الحفاظ على وحدة الجماعة، وهذه الثنائية لا تتحقق إلا بمحاربة كل أشكال التميز التي تدفع للتسلط كما تدفع للخنوع.
لكن، في كل أمة هنالك من يحب أن يكون تابعا، وهنالك من يحب أن يكون له أتباع، الأتباع يحبون العيش وفق نظام مؤسساتي ينالون فيه الثناء من الرؤساء ويكونون موضع عطفهم، والمتبوعون يحبون أن تكون لهم سلطة يرسمون بها خطوط السير وعلى الأتباع أن يباشروا المسير، فإن أضفنا لهذه الخلطة السلطوية شيئاً من الغموض كالطقوس المبهمة والشعائر السرية نكون قد جمعنا في حديثنا بين المؤسسة والتنظيم السري، والنبي –عليه الصلاة والسلام- عاش في بيئة كانت الديانات فيها متعددة وأبرز تلك الديانات هي "اليهودية والمسيحية" ورأى كيف تعتمد المسيحية على النظام المؤسساتي بينما اليهودية تنتهج الغموض والسرية، فسعى لإخراج الإسلام من هذه المتاهات إلى رحابة المساواة والمشاركة.
إن الإسلام دين يوافق الفطرة ويخالف هوى النفس، والإنسان السوي بالفطرة يكره أن يتم التسلط عليه بينما يزين له هواه أن يتسلط على الآخرين، لتأتي رسالة الإسلام إلى الأسوياء بأن يحاربوا التسلط، وإلى من يتخذ إلهه هواه أن يكف ويرتدع، لهذا ليس في الإسلام دعوة للخضوع والخنوع، كما وليس فيه كهنوتية ومراتب ومقامات، إلا مقامات روحية علمها عند الله وحده وأخرى علمية معرفية يلمس أثرها المسلمون فيجلون أصحابها دون منحهم حق الاستعلاء.
ومن يقرأ سير حياة العظماء في الإسلام يجد أن أبرز ما يميزهم أنهم لم يميزوا أنفسهم بشيء، لم يحتكر أحدهم لقباً، لم يدعِ أن له مكانة أرفع، لم يرتدِ نجوماً ونياشين دينية تمنحه سلطة الحكم والتحدث نيابة عن الله، وكما قال الشافعي: "أرفع الناس قدراً، من لا يرى قدره".
صحيح أن الإسلام يرحب بتبني المسلمين لآراء ومفاهيم وتنظيمات الأمم الأخرى، كما فعل "الفاروق" حين استورد التنظيمات الاجتماعية والإدارية من الخارج وطبقها على دولة الإسلام، وكما فعل "الأزهر" حين فرض على علمائه لباسا محدداً، والأمثلة كثيرة، الشاهد منها أن الإسلام مرن في التعامل مع إنتاجات الآخرين شريطة ألا يضر هذا التعامل بأساس من أساساته، ونظام "المقامات الصوفية" لا يضر فقط إنما يهدم عدة مفاهيم إسلامية أصيلة كالمساواة والحرية والعدل وعدم التمايز ونبذ الخضوع والطاعة العمياء، إلخ.
والمتأمل في أمر "المقامات الصوفية" سيجده نظاما يجمع ما بين البناء الهرمي والغموض، الأمر أشبه بالعمل في مؤسسة غير أن الترقية هنا تعتمد على توافر شروط غير حسية ولا يمكن رؤيتها، وما لا يمكن رؤيته فيمكن ادعاؤه بسهولة، المهم أن لكل مقامٍ في هذا النظام شروطا ومتطلبات، ولكل مقيم في مقامه مريدون ومرشدون، كما ولكل رتبة إيمانية روحية رداء يميز صاحبها ومكانة تحدد قيمته، والأهم أن لكل صاحب مقام ميزة أو مجموعة مزايا قد تصل إلى الحد الذي يكف فيه "مَلَك الشمال" عن الكتابة ويسلم قلمه! تتعاظم هذه المزايا كلما صعدنا في المقامات، وتتعاظم أيضاً المهام الموكلة والتي يتم أداؤها في جو من الغموض والسرية والطقوس الغرائبية المبهمة، و-تحرجاً- أحيل القارئ للبحث عن مهام "الغوث أو القطب" ومزاياه ليقف بنفسه على حجم المأساة.
ما يدعو للضحك المشوب بحيرة وحزن أن "العارفين" لا يعرفون عدد المقامات، فقائلون بأنها سبعة ليرد آخرون بل هي تسعة، فيعارض قسمٌ ثالث بالقول إن المقامات عشرة أقسام في كل قسم عدة أحوال، وبغض النظر عن التباين في العدد، هنالك اختلاف أيضاً في كيفية الترقي بين المقامات، فهنالك من يترقى من مقامٍ لآخر بالتدريج، وهنالك من يقفز متجاوزاً بضع مقامات، وهنالك "الطيار" الذي قد يتجاوز كل أو معظم المقامات في خطوة واحدة يصل بها للقمة! لقد حرص النبي –عليه الصلاة والسلام- أن يُخرِج الإسلام من هذه المتاهات، لكن هنالك من لا يعرف كيف يسير إلا في تعرجات، وهنالك من يبارك هذا السير الأعرج كونه يحقق له المكتسبات.
العلاقة بين العبد وربه من القرب الذي لا يسمح لأي وسيط أن يحشر أنفه، كل المطلوب من العبد أن يرفع أكف الدعاء ليجد الله عنده، فما الحاجة إلى التمسح بأصحاب المقامات العليا؟! خلاصة القضية، أن هذا ليس ذماً في التصوف أو الصوفية لكنه نقد لا يحتاج لسعة علم بقدر حاجته لإنصات إلى صوت الفطرة، والنقد واجب.