أتى يومنا الوطني هذا العام، كما أتى في الأعوام القليلة الماضية، والمنطقة العربية المحيطة بنا تنخرط في الفوضى، وتتزايد مواجهاتها لحروب مدمرة يتقاسمها أهلها فيما بينهم مع النفوذ الإقليمي والدولي وتدخلاته المعلنة والخفية، وتجد الجماعات الإرهابية في غضون ذلك تربتها الخصبة، كما تجد الطائفية والإثنية وسائر أشكال التحزبات الفئوية وقودها.
وهو الوقود الذي قلقل العراق منذ سقوطه في وحل الاحتلال الأميركي، وأشعل ناراً للكراهية والدمار المتبادل في سورية، أصبح النظام بغطرسته وتجبره جزءاً من فصائل متناحرة من دون أن تلوح بروق نهاية طال انتظارها. ولم يكن اليمن الذي يصارع فقره ومآسيه القبلية والطائفية منذ قرون في حاجة إلى مزيد من التهلكة التي فرضها عليه الحوثيون والرئيس الذي نحَّاه شعب اليمن من قبل. ولا يقارن شيء من ذلك، على سوئه، بمأساة الصومال التي لم يعد للدولة فيها إلا ملامح شبحية يمزقها العنف الأعمى كل يوم وبزعم الجهاد. وهي الصفة نفسها التي فرضت على ليبيا التمزق بين جماعات مختلفة، باسم الدين حيناً، وباسم السياسة حيناً آخر، وباسم الأنانية في كل حين.
لذلك فإن السؤال الذي يتلجلج في حنجرة الخطاب السياسي العربي، وضمنه خطابنا الوطني، هو سؤال الأمن والاستقرار: كيف يمكن لأي بلد من بلداننا العربية أن يقاوم الفوضى المشتعلة؟! وكيف ينجو من مصيدة التدخل الإقليمي والدولي الذي يتحين الانقضاض، ولا يكف عن البحث عن ثغرة يتذرع بها للضغط والابتزاز؟! كيف تتحول الأوطان بشعوبها وحكوماتها إلى جدار شديد الصلابة والتماسك وعصي على الانهيار أو الخرق والتسلل؟!
هذه الأسئلة تعني أن أمن الوطن واستقراره هما الجوهر الصلب في دلالة الوطن، وفقدانه هو فقدان للوطن ولمعنى الوطنية، بنسبة تعادل في حجمها ودرجتها حجم القلاقل التي تعتري الوطن ودرجة الاستقرار المفقود من جرائها. وبوسع المرء أن يتحرى صدق ذلك أمام صورة المهاجرين الفارين من دمار أوطانهم، فليس يعني أحدهم من الوطن الذي حولته الدماء والفزع إلى كابوس إلا هذه الحقيبة التي يحملها، وذاكرة مثقوبة لزمن جميل كان اسمه "الوطن"!
وإذا ما وعينا جوهرية الأمن والاستقرار في دلالة الوطن عند مواطنيه وعند غيرهم، فإن لنا أن نفهم من الأمن والاستقرار معنى أعمق من قبضة الشرطة وسطوة الجيش: معنى يتسع ويتعمق حتى لا يدع جانباً من جوانب علاقات الانتماء بين المواطنين باسم الوطن، ولا من علاقات الانتماء بينهم أفراداً وجماعات وبين المؤسسات التي تجتمع فيها مصالحهم ومعنى وطنيتهم.
هكذا لا يبقى الأمن مؤسسة جزئية ضمن دائرة الوطن، وبمعزل عن مواطنيه، بل معنى ينتظم فيه كل مواطن، لأنه يخدم مصلحته (مسكنه ومعاشه ورفاهيته)، ولأنه يحقق له معنى ذاتيته ووجوده وحسه بالمسؤولية، ويرقى به من وجود فردي معزول إلى وجود وطني محسوس. وبالطبع لا يعني ذلك أن يتحول المواطنون إلى عسكر، ولا يعني عدم الحاجة إلى العسكر وإلى المؤسسة الأمنية، وإنما يعني، ببساطة، تحميل كل فرد حس المسؤولية ومعنى الوطن.
وهنا عقدة الحكاية كلها؛ لسببين متضافرين ومتولدين عن بعضهما، في دور لا ينتهي: أولهما يتمثل في عدم استساغة القائمين على السلطة في البلدان العربية، تحمُّل الفرد المسؤولية وشعوره بالواجب تجاه الوطن، فهم يفضلون تحمُّل المهمة عنه، وصرفه عن شؤونها وشجونها إلى الأبد. أما السبب الآخر، فإن الفرد العربي ما يزال –إذا ما استعرنا عبارة عبد الإله بلقزيز– فرداً من قوى "تقبع داخلها ثقافة أعرابية متمردة على النمط المديني". وهو بهذه الصفة أقل من مستوى النضج والوعي الذي يؤهل لما يمكن تسميته بـ"أخلاق المسؤولية".
أخلاق المسؤولية هذه، عقبة كأداء، ليس الانتقال إليها سهلاً وسريعا؛ ليس شبيها بالانتقال من ركوب البعير إلى ركوب السيارة، ولا استبدال البيتزا بالمطازيز، ولا الاستغناء بتطبيقات الكومبيوتر عن الكتابة بالريشة والدواة. إنها رهينة الولادة لحرية الفرد التي لا تنفصم عن حرية المجتمع؛ فليس يتمثل الإنسان معنى الحرية بأي حال إلا حين يتمثل –بالضرورة- علاقة احترام وحقوق للآخر.
وأظن أن المخاوف من الاضطرابات التي شهدتها وتشهدها المجتمعات العربية، خصوصاً منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي" تنذر بأن عجلة التاريخ لا تتوقف، وهذا يقتضي المبادرة فيما من شأنه إنضاج الوعي الوطني ورفع الحس بالمسؤولية فيه لدى المواطنين جميعا، وإرهاف حساسيتهم تجاه قيمة "السلام" وخطر العنف ومغبة مآلاته. ولن يكون شيء من ذلك بالمواعظ والخطب والدعايات ونظم قصائد الشعر في حب الوطن، بل بما يحفر لذلك كله أثراً فعليا في حياة الناس وعقولهم وعلاقاتهم.
وأول مبدأ سلمي يجب ترسيخه هو مفهوم الدولة بوصفها علاقة تعاقد وانتماء مدني، وهذا مفهوم يستبعد مفهوم الدولة الوطنية لدى المتطرفين بمختلف شعاراتهم: المفهوم الذي يتضخم فيه الجانب الأيديولوجي، فيغدو الوطن حربا على العالم كله. وإذا ما ترسخ المفهوم المدني السلمي للوطن فسيترسخ تبعاً له مبدأ الاحترام للآخر، ومبدأ التعددية، وبذلك تنتفي الصفات الجزئية التي تختزل الدولة إلى قبيلة، أو تفرض أشكالاً متمايزة من المواطنة والانتماء كما هو تمايز الألوان.
ثم تأتي، بعد ذلك إحالة هذا المفهوم إلى تمثُّل، ونشره وترسيخه، عن طريق التعليم والإعلام. فلقد تواتر لدى عديد المحللين لمشكلات التعليم والإعلام في غير بلد عربي، والمملكة أحدها، الإشارة إلى الصفة الدوغمائية والخيالية، الصفة التي لا تفسح مجالا للنقد ولا لتعدد الأسئلة والأجوبة. ومن شأن هذه الصفة أن تهيئ تربة خصبة لنمو العنف والتطرف، لأنها تؤسس للأحادية، ولعقلية وثوقية لا تقبل الاختلاف عنها.
وقد نقول إن غير بلد عربي يصنع انتخابات تتنافس فيها الأحزاب والمرشحون للحصول على ثقة الناخبين، وتلك علامة جيدة على مجتمع صحي ديمقراطياً، مجتمع محصَّن عن الانزلاق إلى العنف. والأحرى أن نقرأ في وقائع معظم هذه الانتخابات نذر العاصفة وعلامات التوتر، وذلك أن المرشحين لا يراهنون في فوزهم على جدارة برامجهم التنموية والقناعة بها، بل على الشعارات الأيديولوجية التي يرفعونها، والحسابات الفئوية التي يمثلونها.
إن التأسيس لأخلاق المسؤولية وتدعيم حرية الفرد، لا يقتصر على الجهد التربوي والثقافي، بل يأتي من قطاعات المجتمع كلها، لا سيما "العدل" فهو المؤسسة التي تصنع المساواة وتحميها، وتتقاضى الحقوق وتشرع لها. ولهذا عُدّ العدل علامة بارزة من علامات القوة في الدولة، لأن تحقيق العدالة يعني بمعناه الأعمق ضمان الحرية للناس، وغرس معاني ما يحق لهم إلى جانب ما يجب عليهم، وإذا تحققت العدالة تحققت المساواة وتحقق الأمن.
بعض المراقبين يتحدث عن نسب صفرية لاحتمال نشوب حرب أهلية في إحدى دول أوروبا الغربية –مثلاً- ذات الديمقراطية العريقة، ومثلها لتوقع اندلاع حرب بين قطرين من أقطارها. وعلى أي حال فلا مجال للمقارنة في هذه النسب مع بلادنا العربية، لكن المهم أن تأمُّل العلة في هذا الاختلاف قوي الصلة بموضوعنا هنا: الصلة بمدلول الأمن الجوهري في تكوين دلالة الدولة الوطنية، لأنه مدلول مستمد من أخلاق المسؤولية الفردية التي تُغلق الباب دون تسلط الأنانية، وتغوُّل الجماعة.
حفظ الله بلادنا من كل سوء.