الطفولة ذلك الصباح المبهر، والدهشة المخضرة بماء العمر، حين تركض في طرقات الحياة، وتنسل كأقدام النهر وعناقيد البهجة، تشعر حينها أن الملوحة غادرت البحار، وأن السماء أكثر زرقة، وأن غابات العالم أكثر ورقاً، إنهم دفء القلب، وصحوة الطيور السارحة في فضاء الله الواسع، إنهم الطل الذي يمسح غبار الظمأ من على نوافذ أيامنا، ويطرد الجفاف من على أهداب الحقول وذاكرة السنابل، ترى تلك المرحلة الجوهرية في حياتهم ماذا أعددنا لها من برامج وخطط ووسائل واستراتيجيات تنهض بثقافتهم. وهل حرصنا على ألا نهدر تلك المرحلة الجذرية واستوعبنا المفهوم الواسع لثقافة الطفل بما تمثله من تشكل نفسي واجتماعي وثقافي، فالثقافة (هي ما يقدمه المجتمع لأبنائه من عادات وقيم وأساليب وسلوك وتوجهات وعلاقات وأدوار وتقنيات كي يتعلموها ويتكيفوا معها في نمط معيشة الجماعة)، ففي دراسة شاملة لثقافة الطفل، وكيفية تنميتها للدكتورة صباح عيسوي أصدرتها اللجنة الوطنية للطفولة، واشتملت على أبعاد ثقافة الطفل كان أبرزها الثقافة الدينية والوطنية، حيث تؤكد الدراسة على تعزيز الثقافة الدينية السلوكية كربط الدين بالحياة والأخلاق، وفتح مجال الحوار مع الطفل حول الأسئلة المتعلقة بالدين، وتقديم الإجابات التي تناسب مستواه والحرص على ألا تكون الغاية من مقررات المواد الدينية الحفظ والتحصيل الدراسي المرتفع، بل ينبغي أن يستقي منها الأبناء غذاء الروح، وأساليب المعاملة، وأصول الأخلاق، واستشعار أهمية أخذ العبرة من دروس التاريخ في مجال السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. أما الثقافة الوطنية فتتمثل في تنمية الهوية الوطنية، وغرس حب الوطن، والاعتزاز به في نفس الطفل، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إشاعة بذور الانتماء لأرضه وما يحيط به من رموز كالعَلم والنشيد الوطني، والزي الوطني والحفاظ على مكتسباته الحضارية، واستغلال المناسبات الوطنية، وتعرفه على مكانة بلده كقبلة للمسلمين ومهبط للوحي ومهد للرسالة. فالمواطنة الصالحة والشعور بالانتماء يصحبه التمثل بأساسيات المواطنة ليشب كل فرد محباً لوطنه حريصاً على وحدته وتقدمه ورقيه، ويترجم هذا الحب في المحافظة على الممتلكات العامة من حوله في الحي والمدرسة والشاطئ والحديقة إلى جانب اتباع الأنظمة والقوانين كوسيلة لأمن الوطن وازدهاره. ولم تخف الدكتورة العيسوي قلقها وقلق المربين من برامج التلفاز ذات التكسب المادي، والتي لا تراعي الأسس التربوية، وتؤدي إلى أضرار نفسية تعيق النمو السليم للطفل وتشحنه بقيم مستهجنة تشجعه على العنف والعدوانية.