في وقت يستعد رئيس أوزبكستان الموقت شوكت ميرزيوييف لترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقررة أول ديسمبر المقبل، لخلافة الرئيس السابق إسلام كريموف الذي توفي في أغسطس الماضي، بعد أن أمضى 27 عاما في الحكم، قالت تقارير إن غياب كريموف جعل القوى العالمية تتسابق على استقطاب أوزبكستان، مشيرة إلى الاهتمام الكبير الذي توليه روسيا لهذا البلد، فضلا عن إصرار الولايات المتحدة على أن لها وجودا في أوزبكستان، كذلك الصين وبعض القوى الإقليمية الأخرى.
وأشارت التقارير إلى قول الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين "إن أوزبكستان شعبا وقيادة، يمكنها أن تعتمد كليا على روسيا كصديق وفي لها"، لافتة في نفس الوقت إلى ما ذكره نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون جنوب ووسط آسيا دانيال روزنبلوم، بأن الولايات المتحدة تعتزم مواصلة علاقات الشراكة مع أوزبكستان بعد وفاة كريموف، مشددا على الالتزام بهذه الشراكة.
ويشير مراقبون إلى أن أوزبكستان على الرغم من عدم مغادرتها برنامج "الشراكة من أجل السلام" الذي أنشأته الولايات المتحدة، عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، واحتوت فيه الجمهوريات السوفيتية السابقة، إلا أن علاقتها مع هيئات هذه الجمهوريات كانت معقدة، تمثلت في طموحات وآمال الرئيس الأوزبكي في الابتعاد عن روسيا، أو إظهار بوادر الابتعاد عنها.
غضب روسي
عرض الرئيس الراحل كريموف، على واشنطن إنشاء قاعدة عسكرية لها في أوزبكستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ووافقت واشنطن على ذلك بإنشائها قاعدة "خان آباد" العسكرية، ليتم إصدار قرار بإغلاقها من قبل الرئيس كريموف بعد 5 سنوات فقط، على إثر وقوع احتجاجات أنديجان، وأحداث الصدامات الطائفية والعرقية التي كادت تطيح بكريموف نفسه، الأمر الذي أقلق وأغضب الرئيس الأوزبكي من تصرفات شريكه الأميركي.
من جهة أخرى، كانت مؤشرات الغضب تصدر عن موسكو، بسبب تقارب كريموف الشديد مع واشنطن، التي تمثل في فتح أجواء بلاده للأميركيين من أجل دعمهم في أفغانستان، الأمر الذي يقطع الطريق على روسيا في استخدام هذه الورقة عبر قواعدها العسكرية في طاجيكستان.
استقطابات عديدة
خضعت أوزبكستان خلال فترة حكم الرئيس إسلام كريموف والتي امتدت نحو 26 عاما، للعديد من الاستقطابات، والشد والجذب، ومحاولات الاستمالة بشتى الطرق من عدة قوى عالمية، من ضمنها تركيا التي حاولت إعادة اللغة التركية إلى أوزبكستان، وفتح منافذ اقتصادية، إضافة لبعض الدول العربية التي حاولت هي الأخرى إعادة الحروف العربية، وضخ استثمارات هائلة في الاقتصاد الأوزبكي.
كما كان للصين نصيب في البلاد، إذ حاولت ضخ استثمارات يسيرة، في محاولة منها لاختبار الأجواء وردود الأفعال، إلا أن محاولات أميركا بالنفوذ ما زالت قائمة على هذا البلد، الذي تأسست بنيته التحتية على أيدي الاتحاد السوفييتي، وكان مركزا للصناعات السوفيتية الثقيلة مثل الطائرات والجرارات وغيرها.
ابتزاز أميركي
مما يثير الدهشة والاستغراب في آن واحد، الكلمات التي أطلقها الرئيس الأميركي أوباما بعد تعزيته في وفاة الرئيس الأوزبكي، إذ قال حينها "إن أوزبكستان ستبدأ الآن فصلا جديدا في تاريخها، يكون فيه مكان للسيادة والأمن والمستقبل، ويقوم على احترام حقوق جميع مواطنيها"، الأمر الذي اعتبره مراقبون عملية ابتزازية أميركية في هذه الدولة، ليرد عليه سريعا رئيس لجنة مجلس الدوما للشؤون الدولية أليكسي بوشكوف، حيث قال "إنه لا مكان للولايات المتحدة في الفصل الجديد من تاريخ أوزبكستان"، مبينا أن أوباما مخطئ عندما يظن أن واشنطن سيكون لها فصل جديد بأوزبكستان.
مطامع ومخاوف
عدّ محلل صحيفة "كوميرسانت" الروسية مكسيم يوسين، أن تغير السلطة في أوزبكستان، بعد وفاة رئيسها، سيغير من معادلات المنطقة بكثير، بحكم أن الدولة الأوزبكية تعتبر أكبر دولة في آسيا الوسطى.
وتساءل يوسين خلال تحليله، عن مدى حفاظ القادة الجدد على مفاصل الدولة التي يقدر عدد سكانها بـ32 مليون نسمة، في الوقت الذي تحيط بها عدة تهديدات قابلة للانفجار، من قبل المتطرفين الذين يعملون بشكل سري في وادي فرغانة، حيث يشكل الفراغ السلطوي في البلاد مطمعا خطرا.
المخرج من الفراغ
بين روسين أن البديل الحقيقي الوحيد للسلطة الحالية، هو شراكة أصحاب الإيديولوجيا المختلطة المتكونة من العناصر الإسلاموية والقومية والشعبوية، محذرا من أنه في حالة حكم القوميين والشعبويين بميولهم الدينية، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة على الأقليات القومية، وبالدرجة الأولى على كثافة الروس المتواجدين هناك، إضافة إلى أقليات قومية أخرى، من قيرغيزستان، وطاجيكستان، وكازاخستان، وأرمينيا.
ويخلص المحلل الروسي إلى أن أوزبكستان، التي بقيت نموذجا محافظا على أمور كثيرة من العهد السوفيتي، تحتاج إلى التحديث، الذي يجب أن يكون في صالح مؤسسات الدولة، وليس في تفكيكها.