لا أحد يستطيع أن يجزم جزما تاما بحقيقة كل ما جاء في التاريخ، إذ تُعد هذه إحدى أهم مشكلات التواصل مع أحداث التاريخ، وما حدث فيه، فحتى المنقولات كتابة أيضا يمكن أن تتعرض للتشويه غير المتعمد في كثير من الأحيان، من خلال النقل الخاطئ وعدم إجادة الترجمة والتواصل جيدا مع ما تريده اللغة الأصلية للنصوص، لكن ذلك لا ينفي أن بعضها قد يحدث تحريفه بتعمد أيضا، نتيجة السعي لتكريس أمر ما، خاصة في ما يُعنى بسرد الوقائع التاريخية العسكرية أو الدينية، وهما حجرا زاويتين في الثقافة الإنسانية على امتدادها.
فمثلا كلمة "كوزموس"، هي الكلمة التي استخدمها اليونانيون لوصف "العالم" في اللغة اليونانية القديمة، لكنها تعني اليوم في الثقافة الإنسانية "الكون". بينما تعني كلمة "آيون" الزمن، التي ارتبطت بوصفية لزمن بعينه، كقولنا "زمن الجاهلية، أو زمن سقراط".
وقد وقعت كثير من الترجمات الحديثة لتاريخ التراث الإنساني في مأزق الالتباس في المعنى المراد، وحدث ما يمكن وصفه بالتحريفات غير المقصودة في كثير من الأحيان، ووقعت أخطر تلك الأخطاء في الكتب المقدسة عند معظم شعوب الأرض، وكان أكثرها حدوثا في ما يطلق عليه العهد القديم تحديداً، لأن الأمر تطلب البحث والتنقل بين لغات مندثرة وأخرى حديثة.
وجاء ذلك كنتيجة طبيعية، لغياب علوم الفلسفة العقلانية والمعرفة العميقة، في فترات أوروبا ما بعد الميلاد، التي حدثت فيها انتكاسة للفكر وسيطرة الكنيسة والتيار الديني وثقافته، التي صبغت جوانب الحياة الأوروبية بالكامل تقريبا.
وهذا يؤكد أن مفاهيم الفلسفة تتغير بتغير دلالة اللغة واستخداماتها، وهذا يعني أن ديناميكية اللغة هي سر انتشار الثقافة والفكر لأمة ما، وأن اللغة الجامدة، ستستنفد طاقاتها ما لم يكن هناك إبداع دلالي جديد، يرتكز على العلم وتقدمه واكتشافاته بموازاة أجنحة الفلسفة بكل توجهاتها، وهذا لن يحدث طالما بقيت الدلالات واحدة عبر الزمن، إذ ستجد لغات كثيرة نفسها متأخرة عن ركب العالم، ومسيرته الثقافية والعلمية، وهنا يبرز الارتباط والتناسب الطردي بين اللغة والفلسفة والمتغير.
والدليل على ذلك يكمن في ارتباط الحديث عن نهاية العالم دائما، بمفهوم نهاية الإنسان.
إلا أن هذا غير دقيق، فنهاية الإنسان لا تعني بالضرورة نهاية الزمن، والعكس صحيح أيضا على جانب الوجود البشري فقط، لأنه قد يكون هناك حيوات أخرى في مكان ما وعلى نحو ما، لذلك فقطعية الدلالة هنا لا معنى لها، ولا تعطي انطباعا عن رحابة التفكير وفلسفة النظر إلى الكون أو "كوزموس".
ولا يمكن أن يأتي هذا المصطلح خارج المفهوم العام للزمن البشري، لوصف فترة زمنية لفصيل بشري إلا افتراضا فقط، لتحديد زمن الحديث عن زمن شخصية أو حدث يخص البشرية مثلا.
فالمفهوم الزمني عام ويشمل تحته كل شيء تقريبا، وأقول تقريبا، لأن كل شيء نسبي وتقريبي في واقعه وليس قطعيا.
الترجمات تأتي وفقا للمفاهيم الزمانية المكانية للغة، والصانعين لتلك المفاهيم والناشرين لها، وهم ترجمة للفكر المسيطر وتكوينه العام، ليتشكل كل عصر وفقا للدلالات التي تحملها لغة الوقت وفكره.
واللغة الجامدة ستستبدل فجأة وبشكل كلي تقريبا، بحيث تصبح لدى الأمم اللاحقة مجرد رموز مجهولة الدلالة، إلا عند المتخصصين الدارسين لها، وهنا تنقطع صلات تلك اللغة بالعالم بانتهاء أمتها.
لكن الشيء الذي يُبقي على تواصلها الضعيف مع العالم، هو المنجز الإنساني الأممي المؤثر لأمتها، من الفنون المختلفة كالنحت والرسم والموسيقى، التي تُعتبر الطريقة الأكثر مسؤولية للتعبير عن تلك الأمم ولغاتها.
ولا أتخيل أن تصمد كثير من اللغات المتداولة اليوم، ما لم تكن صاحبة منجز إنساني، يدعم حضورها إلى أبعد ما يمكن، إذ يطل العلم علينا كل يوم بما يجبر اللغة على إيجاد صيغة جديدة للدلالة على مُنتج جديد، واشتقاق لفظة، أو ابتداع مصطلح، ويحدث ذلك في اللغات التي تكون أمتها صاحبة المنجز، لا الأمم التي تستخدمه، لأن الأخيرة واقعة تحت طغيان اللغة المنتجة لذلك الجديد، ولنأخذ مثلا "تويتر، فيسبوك، كمبيوتر، ....إلخ، هذا يحدث على جانب الصناعة فقط، بينما لا يزال هناك الكثير من الجوانب التي ستحدث ثورتها أيضا على نحو ما. إذن فالوقوف في وجه المتغير بحجة الأصالة، يشبه تحدي الطوفان، وذلك ليس منطقيا حتى، وما لم نسارع إلى اشتقاقات موازية، فإن الاندثار والترجمات الخاطئة بانتظار المستقبل حتما، تماما كما حدث مع اليونانية القديمة، التي تخلت عن الفكر والفلسفة والتماهي مع المتغير والجديد بانفتاح فكري، وهذا ما يقوله التاريخ.