تابعت حديث مفتي عام المملكة سماحة الوالد الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ، حفظه الله، في أكثر من مناسبة وهو يحذر الأمة من الفرقة ويُوجّه كلامه إلى أهل الفكر والرأي وأصحاب القلم، وأن عليهم دوراً كبيراً في توعية الناس من مخاطر الفرقة، والخروج على ولاة الأمر، ولم يكتف سماحته بذلك، بل وجه حديثه إلى عموم العلماء للانشغال بتوعية المسلمين، وإبراز دور العلماء في هذه الأزمنة، وتجلية الإسلام وسماحته مما يقوله الأعداء من وصف الإسلام بالإرهاب، والدفاع عن عقيدة الأمة الصافية، وأن على الجامعات وأهل الرأي دوراً مهماً في الدفاع عن عقيدتهم.
وسماحة الوالد عندما يتحدث في كل مناسبة عن هذه الموضوعات إنما نبع هذا من حرصه، وفقه الله، على أمانة الكلمة ومسؤولية الدعوة التي يتصدرها دوماً في وسائل الإعلام، فجزاه الله خير الجزاء، كيف وسماحته يرأس هيئة كبار العلماء التي أصدرت عدة بيانات تندد وتكشف خيوط اللعبة التي تنسجها إيران وغيرها، عن صفاء العقيدة والذب عن صافي ووسطية الإسلام حتى رأينا حاجة الأمة إلى مزيد من الطرح والنهوض بمسؤولية الدعوة على مستوى العلماء وأهل الحل والعقد الشرعيين، منطلقهم في ذلك حديث معاذ رضي الله عنه عندما كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم وسأل معاذاً سؤالاً أوضح فيه مهمته كداعية وأن مسؤوليته هي تبليغ العلم، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أخبر الناس قال لا فيتَّكلوا، ولكنه أخبر بذلك قبل وفاته مخافة كتمان العلم، وعلى الأمة التعلم والتأسي بمثل هذا الموقف الصحابي الذي ارتحل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار الحوار بينهما حول حق العباد على الله، وحق الله على العباد.
لقد رسم المصطفى صلى الله عليه وسلم لرسالته خطاً بدأه بالهجرة حتى توفاه الله عليه الصلاة والسلام، إذ قام بتحقيق ما يكفل استمرارية هذا الدين ودعوته وتحمل أهله وأتباعه من بعده، ولهذا استمر المنهج النبوي وسار عليها المسلمون عبر الحضارة الإسلامية قاطبة، وعبر القرون المفضلة، وما بعدها حتى عهد هذه الدولة السعودية التي حملت لواء الدعوة قولاً وعملاً وبشتى الوسائل والطرق المنبرية ومجالس العلماء والندوات، وإنشاء المحطات الدعوية لتنوير جيل اليوم والحضارة الإسلامية وانتصاراتها حتى وصلت شرقاً وغرباً، ثم تولى قيادة الدعوة علماؤنا الأفاضل وفق تنوع الأساليب ومناهج الدعوة واستغلالها لوصول الإسلام إلى أقاصي الدنيا، والتي برهن الدعاة من خلال مسيرتهم على قوة الرسالة وحفظ الله لهذا الدين مهما غابت الجهود وتخاذل المتخصصون في الشأن الدعوي، إلاّ أن فاتحة الخير وبريق الإيمان لن يزولا، وهذا وعد إلهي يتحقق مهما ضعف الداعي أو تكاسل المهُتمون بالدعوة، وذلك بقوله "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وقوله "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".
فالدين باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والدعاة عبر المراحل التاريخية تنوعوا في أساليبهم حتى خرجت لنا المدارس المتنوعة في فنون الدعوة، لكنه وعبر مرور الزمن يتبادر إلى أذهاننا سؤال يحق لصاحبه الحصول على الإجابة، لماذا فترت المهمة لدى علماء الأمة منذ أن فُتحِتْ الدنيا علينا، هل العزيمة ما زالت أم أنه الوهن الذي حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وعندي أن الأمر يكون مرة هذا، ومرة ذاك، وعلاجها هو وقفة تأمل مع دور علمائنا تُجاه بيان الوسطية عبر الوسائل المختلفة، منبرية كانت أو إعلامية أو عبر أخلاقيات المسلم نفسه، وكل له بالتأكيد نتيجة مستمرة ملموسة، وهذا ما قام به دعاتنا الأوائل والذين برَهنْوا لنا على أن النصر مع الصبر، والذي صبر على الهجرة حتى توفي عليه الصلاة والسلام أشرقت الدنيا بنوره ورسالته قادر بإذن الله أن يحقق لعلمائنا التمكين العلمي والبيان والحجة أمام تيارات الإلحاد وصفوف المرتزقة من دعاة الضلال حتى يتحقق فينا، لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة إلى قيام الساعة، وهذه الطائفة تتأكد بتطبيق منهج النبوة بالصدع في الدعوة من جديد والجهر بها أمام كل وسيلة تصل إلى الدنيا كلها بإذن الله، وهو أن يكون علماؤنا قد عادوا للمنهج الصافي الحنيف وهو ما كان عليه نبي الرحمة وسلف الأمة والعلماء الربانيون، لتبدأ حياة جديدة تنهض بهمة الأمة من خلال علمائها.
حاولت في هذه الزاوية أن أتتبع أحاديث هذا العالم والداعية سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتى عام المملكة الذي أجزم أنه دوماً عبر أحاديثه ومجالسه حريص على وحدة الأمة، وصفاء العقيدة، والتأكيد على دور العلماء في القيام بواجبهم تجاه الأمة الإسلامية، وخصوصاً بلاد الحرمين، حرسها الله، فجزاه الله عنا خير الجزاء وشكراً لعلمائنا.