في الثمانينات اختار اثنان من قادة العالم الغربي مارجريت تاتشر ودونالد ريجان النوليبرلزم وأهم أدواتها، وهو الخصخصة كمنهج تسير عليه أمريكا وبريطانيا لتخفيف الضغط على الحكومات ودعم الاقتصاد.

كان أول آثار هذا القرار في بريطانيا إيقاف توزيع الحليب على طلاب المرحلة الابتدائية، ومنه حصلت تاتشر على لقبها الشهير سارقة حليب الأطفال.

لم تبال تاتشر بذلك النقد، ربما لأن خطته للتقشف كانت تعتمد على تسلسل ينتهي بمفاجآت جميلة، فهؤلاء الأطفال الذين حرموا من الحليب المدرسي كبروا ليصبحوا أغنى من آبائهم، فيجدوا شبكة مواصلات لا تضاهى في العالم، وإعانة شهرية لأطفالهم، ورواتب مجزية، بل وجبة إفطار كاملة لطلاب الصفوف الدنيا، وليس مجرد حليب.

سياسة التقشف التاتشرية وصلت حتى الجامعات، فأصبحت الجامعات تعتمد على نفسها في صناعة دخلها عبر البحث العلمي بالتعاون مع الشركات أو ما يدفعه الطلاب، لكن بعد سنوات أصبح البريطاني غير قادر على دفع مصاريف دراسة أطفاله في الجامعات، فكادت تصبح الجامعات لأبناء الأغنياء والأجانب الذين هم أبناء أغنياء أو دولة غنية مثل السعودية.

لذا وعت بريطانيا لهذا الخطر، فقدمت فرصة لكل طالب يرغب ويجد في نفسه القدرة على الدراسة الجامعية أن يدرس عبر الحصول على قرض حكومي تسدد الحكومة فواتير دراسته وراتب شهري يعينه على الحياة، ثم عندما يتخرج ويجد وظيفة تقتطع الحكومة المبلغ من راتبه مع الفوائد.

لقد أعانت هذه الطريقة الطالب الذكي، وصنعت فرصا للشباب الراغب والقادر على التفوق، وعلمتهم الالتزام والحرص، لذا حتى في الإجازات ستجدهم مثل النحل في المكتبة، وتحت الأشجار بكتبهم، وفي المعامل يقتنصون كل لحظة للتعلم وزيادة الخبرات، لأن خلفهم من سيطالب بدينه، في الحقيقة هذه الروح والرغبة في التعلم مكنت الشاب البريطاني من المنافسة عالمياً حتى أصبح الأغلى في العالم، خاصة في مجال الإدارة، وربما تذكرون الغضبة التويترية من تعيين شركة سعودية لسيدة بريطانية بمبلغ ضخم، وكيف تفاجأ الناس من رقم مرتبها، لكنه في الواقع قيمتها كمخرج للتعليم البريطاني فلا تتعجب.

في الحقيقة هذه التجربة البريطانية تستحق أن تلتفت لها السعودية، خاصة بعد الظروف التي نمر بها عبر برنامج الابتعاث الذي يبدو أنه توقف بطريقة ما، ونحن مازلنا في منتصف الطريق، فلماذا لا تحقق السعودية للطلاب خاصة التخصصات العلمية هذه الفرصة على أن تسترد قيمة ما دفعته منهم عند التحاقهم بوظيفة، إن ذلك سيكون أجدى من مختلف الزوايا، لن يتقدم لهذا البرنامج سوى من يجد في نفسه القدرة على الالتزام، ومن نثق بأنه سيعود ومعه شهادة تعب في نيلها وتجربة عاشها بجدارة، كما أنها ستحل إشكال معاناة الاقتصاد من انخفاض أسعار البترول، وتجعلنا لا نتوقف عن الاستثمار في الشباب الذي بدأه الملك عبدالله رحمه الله.

بلادنا مازالت بحاجة لابتعاث الطلاب، خاصة في التخصصات العلمية والإعلام والعلاقات والتسويق، كذلك ابتعاث المعلمين الذي يبدو أنه توقف حتى قبل أن يبدأ بشكل جدي، لذا لعل الاستفادة من التجربة البريطانية وقرض التعليم سيكون حلا داعما لاستمرار هذا الباب الذي بدأنا نجني أرباحه مع عودة المبتعثين وتولي العديد منهم أماكن في الشركات والمؤسسات كانت حصراً على القادمين من الغرب.