لا أعرفك ولا تعرفني، ولم أستيقظ هذا الصباح بمخطط في رأسي أريد تنفيذه بأن أجعلك أحد معارفي أو حتى ضمن دائرة حياتي، لقاؤنا عابر من خلال كلمة، رأي، أو موقف اتخذه أحدنا ويرغب في عرضه للنقاش ليس إلا... غرباء لم نخطط كي نكون أصدقاء أو حتى أعداء! مجرد منبر مفتوح لكل منا أن يدلي بما عنده، إن حصل اتفاق كان بها، وإن لم يحصل أكمل كل منا طريقه، قد ينجح وقد يفشل، المهم هنالك طريق، حياة نتعلم منها كل على طريقته وحسب إدراكه وخبراته.

لا أكرهك ولا تريد أن تكرهني، ولم نضع نصب أعيننا بأن لقاءنا سوف يكون عدائيا! لا أومن بفكرك ولا تؤمن بفكري، وهنا أقصى ما يجب أن يصل إليه الخلاف. إن سمحنا للمشاعر أن تتدخل أفسدت كل شيء! لسنا أصدقاء ولسنا أعداء، نحن فقط شخصان مختلفان، كل لديه رؤية، وكل لديه تفسيره الخاص لقضية ما قيد الطرح، نقرأ، نستمع، بل نصغي لنفهم، وإن كان لدينا رد خال من التجريح فليكن، أما أن تصر على أن تكون ألفك بائي أو أصر على أن باءك ألفي، فهنا نكون قد قررنا أن ندخل عالم العداء!

لا أريد أن أموت ولا تريد أن تقتلني، أيصعب علينا أن نتوقف قليلا ليرى كل منا نفسه في الآخر! الدقائق التي نصرفها في فهم بعضنا لبعض قد تختصر الكثير من المعاناة، بينما الثواني التي تنطلق خلالها كلمة سامة كافية بأن تقضي على حياة بأكملها؛ تشوه سمعة، تدمر أسرة، تغتصب حقا، أو تحرض جاهلا على اغتيال مستقبل!

لست وصية عليك، وبالمقابل لست وصيا عليّ، فلماذا نتعامل وكأننا في قاعة محاضرات أو فصل دراسي، كل منا يريد أن يلقن الآخر درسا، وليس فقط أي درس، بل درس لن ينساه! والمشكلة أن النتيجة بعد كل مواجهة؛ لم ينجح أحد! فبدل أن نفكر في الدروس لماذا لا نفكر في العبر؟!

لا أفكر بأن أسبقك، ولا تفكر بأن تسبقني، كل منا لديه هدف يريد أن يحققه، فيختار مساره من النقطة ألف إلى النقطة باء، كل تركيزنا بأن تكون رحلتنا آمنة من غير تصادم، فلماذا نضيع وقتنا وجهدنا على وضع العقبات في طريق الآخر؟! في النهاية كلانا الخاسر!

لا أريد أن أحكم على نياتك، ولا تريد أن تحكم على نياتي، فلماذا نقابل أخطاء الآخر على أنها أكثر من خطأ غير مقصود؟! ما أسرع النسيان حين يتعلق الأمر بأخطاء مشابهة قمنا بها! فتنصب المحاكم وتصدر الأحكام ونبدأ بالتنفيذ... ميزان العدالة يعلو وينخفض إلى أن يتحطم بين أيدينا!

لم أخطط أن أكون في طريقك، ولم تخطط كي تكون في طريقي، ولكن ربما وضعنا القدر كلا في طريق الآخر أو ربما حصل تعد نتيجة عدم تركيز، جهل أو سوء تقدير من قبل أحدنا، وبدلا من تقديم المساعدة لكي يعود كل منا لمساره، ندق الطبول ونجمع الحطب ونشعل النيران! هذا حقي وأنت تعديت! بل هذا حقي وأنت لا حق لك! وبين حق وحق يضيع أمن وينتهك سلام!

أكره القيود في معصمي وتكره القيود في معصمك، لماذا إذن ننبهر ببريق القيد في أيدي الآخر! نقضي جل وقتنا بالتفنن في خلق طرق تضيق المنافذ حتى لا ينطلق، لا يهرب، لا يحلق في السماء! ولماذا؟ لأن كل واحد فينا لا يثق بالآخر! وقد يصل الأمر بنا إلى أن نرحب بهذا القيد، المهم أن يكون واسعا على معصمنا، داميا على معصم الآخر!

أفضل أن اتخذ قراري بنفسي، وأنت تفضل أن تتخذ قرارك بنفسك، لماذا لا يكون قرارك إلا بانتقاص في حقي أو أن يكون قراري تعديا على حقك؟! ندافع بشراسة عن حقنا في الاختيار ونصدم حين يطلب الآخر نفس الحق! لماذا تعتبر نفسك قادرا على المقارنة ما بين الإيجابيات والسلبيات، بينما الآخر عاجز حتى عن التفكير للتوصل إلى الحكم السليم ومن ثم اتخاذ القرار؟! أنا لست أنت، كما أنت لست أنا، كل له شخصيته وخبراته وأهدافه وأمنياته، قد نتطابق وقد نختلف، فلماذا يجب أن يكون الاختلاف في صالحك لتفرضه عليّ بأنه لصالحي؟! لست دائما محقة أو على صواب وأنت كذلك، ولكن كل منا له الحق باتخاذ القرار وتحمل تبعاته.

أستطيع أن أتحمل المسؤولية كما تستطيع أنت. إنها مسألة إرادة وصبر وإصرار، فكيف سأتعرف وتتعرف أنت على قدراتي أو قدراتك، إن لم يأخذ كل منا دوره في حمل هذه المسؤولية؟ كيف أحكم على قدراتك وأنت لم تمارسها، وبالمقابل كيف تحكم أنت؟! لماذا نبني حكمنا على التوقع لا على التجربة؟!

قد أكون أنا أنثى وأنت ذكر، وقد أكون أنا أنثى وأنت أنثى، وقد أكون أنا ذكر وأنت ذكر، المهم هنا أنني أتحدث عن اثنين على الطريق في هذه الحياة، إما يسيران في سلام أو حرب، في النهاية إنها مسألة قرار.