من السهل جداً أن نقول بإمكانية إنتاج التخلف بمظهر جديد، لكن الصعب على كثير من الناس وحتى الإنتلجنسيا أن تكتشف هذا التخلف الجديد المختبئ وراء رطانة ومفردات علمية حديثة، فالوطن مثلاً يبتعث آلاف الطلاب إلى الجامعات الراقية في العالم المتحضر من حولنا، يتعلم المبتعثون لغة أخرى غير لغتهم الأم، يكتشفون حرية البحث العلمي، يعرفون أكثر، لكن يبقى الاستثناء الفكري النادر خاص بقلة من الأفراد رغم كل هذه الألوف المبتعثة، ليعود الغالبية بشهادة عصرية وعقلية تقليدية، وهنا يبدأ إنتاج التخلف الجديد، لترى الشاب ذا العقلية التقليدية يقرأ بنهم في كتب الغربيين، ولكن أي نوع من الكتب يقرأ، إنه يقرأ كتب اللاهوتيين المسيحيين في الترافع عن الكنيسة بلغة تلفيقية اضطرتها إليها الحداثة الغربية، ليستخدم نفس الأدلة والأساليب في الترافع عن منهجه التقليدي في التفكير ضد الحداثة البكر في وطنه، محتجاً بهذه المصادر العلموية، إنه يقرأ نفس الكتب التي كان يطمئن لها في بيئته القديمة، لكن بلغة أخرى في ثقافة وديانة أخرى، نفس الخوف من النظريات العلمية التي قام عليها العلم الحديث، نفس التكييف والتحوير لمعانيها ولي أعناق الفهم فيها، لدرجة تجعل إنشتاين نفسه يشك في عقله الرياضي وبنثام يشك في عقله القانوني، وكل ذلك يفعله الملفقون المحورون دفاعاً عن وهمهم القديم في ثوابتهم الفكرية التقليدية.

بعضهم الآخر يكون أكثر تذاكياً فيقرأ لليسار الغربي ولنقد مرحلة التنوير دون الإشارة إلى المراجع، ليمارس لعبة المزايدة السمجة على رجالات ونساء التنوير في بلده، لعله يجد له متكأ أكبر من حجمه الحقيقي بين هؤلاء الكبار، والمسألة لا تتجاوز في نظره قراءة بضعة كتب نوعية ينتقيها تختص بهذا المجال، وكلنا يعلم أن هذه الطريقة تختصر عليه عناء المواجهة النقدية مع العقل الجمعي ليصبح نصير الثقافة الشعبوية وحامي حماها، متجاهلاً الحفر التراثي في مسبقاته الذهنية الخاصة بشكل أعمق، إن كان باحثاً حقيقياً عن طريقة فاعلة لإحداث فرق في عقله قبل عقول الآخرين.

كل من أحدثوا فرقاً في واقعنا العربي وندين لهم بذلك، هم أولئك الذين اشتغلوا على تراثنا تحليلاً ونقداً ولو صغرت مؤلفاتهم، لكنها أحدثت فرقاً نوعياً ولو خاصمتهم الجماهير، أما من نشعر بأنهم سبب ورطتنا في فتاوى الموت، إذ لم يعلنوا موت الفتاوى، فقد ملؤوا المجلدات شروحات وحواشي تبرر القتل بالمجان على شروحات وحواش لسابقيهم تؤصل لهذا الموت المجاني، وهكذا من غير كلل ولا ملل، كجمل المعصرة يتوهم قطع الفيافي وهو لم يخرج من تحت سقيفتها الصغيرة يستظل بها مغمض العينين.

بقيت إشارة بسيطة ومهمة يجب على الشباب المبتعث سابقاً ولاحقاً الالتفات إليها، الأمانة العلمية تقتضي الاتكاء على آخر ما أبدعته عقول العالم من شرق وغرب، واستثمارك معرفة اللغة للنقل عن غير العلميين ولأسباب غير علمية، لا يحيل الأطروحة إلى علمية، بل إن كثيراً من الكتب المترجمة إلى العربية عن أسماء ألمانية وفرنسية وإنجليزية معروفة بمناهجها الدقيقة والموضوعية في التفكير والنظر العلمي أوضح مؤلفوها تذمرهم من بعض ما في الجامعات الغربية من أساتذة رجعيين من اللاهوتيين التقليديين يحاولون إعادة إنتاج الجهل، ولكن الصرامة الأكاديمية عندهم تقوم بتحجيمهم إلى حد كبير، ولكنهم يستطيعون في أحيان كثيرة المرور عبر الثقوب المعرفية التي يجدونها ليدسوا (تخلفهم الفردي)، الذي يلذ للمتخلفين أمثالهم من المبتعثين، فحتى جماعة الآميش أوجدت لهم الحداثة متكأ للحياة الكريمة، وعليه فكثير من الكتب الغربية تعاني من ضعف المنهجية، بل وإعادة إنتاج التخلف، لكن صرامة بعض مراكز الأبحاث وبعض كبار رجال العلم هي بوصلة العقول الباحثة عن الحقيقة وسط هذه الكثافة في الإنتاج والتأليف في الغرب، ولعل الدارسين الاستثنائيين من شبابنا يعرفون أكثر من القارئين أمثالي للكتب المترجمة عن هذه اللغات الحية.

ختاماً، العيون الزرقاء والبشرة البيضاء لا تعني عقلية تكتب وتبدع بطريقة تفوق العقل البشري، فالسر في الحرية الفكرية والصرامة الموضوعية التي تصنع بيئة تجعل الهندي من وسط آسيا يصبح رقماً استثنائياً في الغرب، فمن يدرك سر الأشياء يقطع الفيافي فعلاً ويصنع الفرق، ومن يعش على قشرتها يدور كما يدور جمل المعصرة ليعيد إنتاج التخلف بمفردات جديدة تدغدغ الجماهير ولا يحترمها العقلاء العارفون.