تكاد وزارة التعليم تكون من أكثر الجهات الحكومية خلال السنوات الأخيرة التي تبتكر مسميات جديدة لبرامجها وأنظمتها ووحداتها القديمة أو المستحدثة، كـ"نور وفارس وعين وفذّ وفطن" وغيرها من مسميات تختصر فكرة ما تهدف الوزارة إلى إيصالها لمنسوبيها وللمجتمع. ومع بدء الدراسة لهذا العام صدر قرار وزارة التعليم بتغيير مسمى "التوعية الإسلامية" في المدارس إلى "التوعية الفكرية" وتحويلها من لجنة إلى وحدة تحمل اسم "حصانة". أوضحت الوزارة في قرارها عن "حصانة" أن الوحدة ستكون برئاسة قائدي وقائدات المدارس وعضوية فريق عمل يتشكل داخل المدرسة ويتبع دليلا تنظيميا يؤدي المهام التي سترد فيه، وركزت على أن يركز عمل هذه الوحدة خلال العام الدراسي الحالي على تعزيز قيم التسامح ونبذ العنف والتطرف وكشف شبهات جماعات الغلو وحملات الاستهداف التي تُشن على المملكة حاليا، والحرص على تعميق الانتماء الوطني لدى الطلاب.

المهام التي وردت في التعميم تعد من أهم ما يجب أن يحرص التعليم عليه في هذه الفترة وقد تحدثنا عنه كثيرا، وأكد الكثير على أهميته وعلى أن يتم تحرير التعليم "المختطف" من يد من جعله طريقا لتحقيق أهداف حزبية، وزرع منذ سنوات طويلة في تربته الغضة سموم الأفكار التكفيرية والمتطرفة التي تبنتها ما عرف بالصحوة والتي تشربها المجتمع من حاضنها الأول التعليم ومازال حتى اليوم يتعثر في أغلالها.

في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله وحينما كان الأمير خالد الفيصل وزيرا للتعليم أمر في أواخر شهر يونيو عام 2014 ضمن إجراء لحماية الأمن الوطني بتشكيل لجنة عاجلة في التعليم تعنى بحماية النشء من الأفكار المتطرفة وتحافظ على الهوية الدينية والثقافية والحضارية للمملكة، وتربط النشء بهويتهم الإسلامية، وثقافة وطنهم وتاريخه، وهذه أمور ترتبط بالعناية الفكرية بالطلاب في المدارس ولا نعلم كيف نفذت وهل لها بنود ما زالت سارية في أنظمة التعليم حتى اللحظة أم انتهت بانتهاء مرحلة ما.

عقبها بعام واحد في 20 أكتوبر عام 2015 أُعلن عن تدشين برنامج "فطن" الذي قال عنه وزير التعليم حينها الدكتور عزام الدخيل إنه: "وقاية الأبناء من الانحرافات الفكرية والسلوكية، المتمثلة في مشكلات عدة، أبرزها الانتماءات المشبوهة إلى جماعات متطرفة، أو تبني الأفكار الضالة". ومن واقع الميدان الذي أعمل به فإن البرنامج ما زال قائما وتنفذ ضمنه كثير من البرامج والمبادرات، ويحتاج لقياس أثر حقيقي ومنصف لمدى تأثيره على تغيير نمط تفكير النشء بطريقة إيجابية، وقياس مدى زرعه للقيم الإنسانية من وسطية واعتدال وتقبل للآخرين وحفاظ على الهوية الإسلامية وتعزيز الانتماء الوطني.

وفي هذا العام ينطلق برنامج "حصانة" وهو تغيير لمسمى التوعية الإسلامية التي أصبحت "توعية فكرية"، وما هو إلا امتداد لبقية البرامج والمبادرات السابقة التي تدور في فلك أهمية العناية بالفكر والتركيز على المفاهيم القيمية للطلاب، والتأكيد على أهمية التعايش السلمي بين جميع مكونات الوطن ومع مختلف الشعوب خارج الوطن، وتعزيز الانتماء الوطني.

إن العناية بفكر النشء وحمايتهم من خطر التطرف وإقصاء الآخرين، وغرس قيم التسامح والتقبل لمن يختلف عنهم دينا ومذهبا ومعتقدا وشكلا هي الركيزة الأهم التي على التعليم -الحاضن الأكبر لهم بعد الأسرة- أن يعتني بها ويوليها اهتماما يدخل لعمق العملية التعليمية أكثر من كونه برنامجا ضمن وحدة توعوية أو مبادرة تمتد لفترة من الزمان ثم تحل محلها أخرى تلغي ما سبق وتشتته بإجراءات بيروقراطية وورقية لا تلامس الواقع.

ما يحتاجه واقعنا في ميادين التعليم حتى يخرج من الترنح الفكري ليس تغيير المسمى وحسب، بل أن ينظر للمحتوى ويركز على سلامة تأهيل القائمين عليه. في السابق -وربما حتى الآن- كان ينظر لبرامج التوعية الإسلامية كميدان للدعوة يتسابق عليها من يبحث عن أجر الدعوة إلى لله، وغالبا ما يخلع عليه لقب "داعية"، بغض النظر عما يحمله من قيم قد تتنافى والتسامح ونبذ الغلو وإقصاء الآخرين خاصة من يشاركونهم في الميدان التعليمي، إذ يرونهم صيدا سمينا لممارسة نزعتهم الدعوية عليهم خاصة من الناحية الشكلية.

العناية بالفكر تفوق تغيير المسمى، وعلى وزارة التعليم وإداراتها ألا تجعل غايتها من مثل هذا الهدف السامي أن تحقق فقط مؤشرات أداء مرتفعة في تنفيذ خطط "التوعية الفكرية" حتى تحصل على مراكز متقدمة في منافسات شكلية لا تصبح في صالح النشء المعني بالإصلاح الفكري.