مجلس الوزراء قرر إنشاء لجنة مكونة من الخدمة المدنية والتعليم والمالية لدراسة لائحة الوظائف التعليمية.
الأخبار حول هذه اللجنة التي ستبدأ هذه الأسبوع مازالت غامضة. ما هي أهداف اللجنة بالضبط، خاصة أن راتب المعلم عار من كل بدل ما عدا بدل النقل، وهو راتب جيد وقريب من المتوسط العالمي، طبعاً باستثناء رواتب ضحايا بند 105، وهم 250 ألف معلم لم يكمل أكثرهم خبرة 20 سنة لأنهم حرموا من سنوات الخدمة تحت هذا البند، والتي حصل عليها بالمناسبة زملاؤهم الذين عملوا في القطاع الخاص.
تقول بعض الأخبار إن مهمة هذه اللجنة دراسة إضافة بعض البدلات لرواتب المعلمين التي ستمنع تسربهم للأعمال الإدارية، وفي نفس الوقت ستكون هناك بدلات للوظائف القيادية مثل مديري المدارس ومديري الإدارات والعموم لمنع عودة القيادات التعليمية ومديري ووكلاء المدارس إلى التدريس.
دعونا نكن صريحين في هذه النقطة ونبدأ من السبب خلف تسرب القيادات التعليمية من الوزارة، ونقول إنه بسبب خلل في تطبيق النظام.
هناك ثقافة انتشرت في الوزارة وبين مكاتب القيادات العليا، وهي التقاعد المبكر ثم التعاقد مع الوزارة، وشاهدنا قضية وكيل التعليم الأهلي الذي أمضى 8 أيام قبل أن يعود إلى عمله بعقد، وأصبح يحصل على راتبين راتب التقاعد وراتب التعاقد! هل هو الوحيد في ذلك؟ لا، فهناك العديد مثله قاموا بالتقاعد المبكر والتحقوا بنفس العمل رغم أن ذلك مخالف لنظام الخدمة المدنية، والذي ينص على منع عودة الموظف المتقاعد من عمله إلى نفس العمل بعد التقاعد.
أيضاً لديهم طريقة أخرى أنتجت التسرب، وهي التقاعد المبكر والتعاقد مع شركات التعليم كـ"تطوير" و"هيئة تقويم التعليم" و"موهبة"، وكلها شركات حكومية يتنقل بينها منسوبو الوزارة بسبب عدم وجود الرقابة، وكون رؤساء هذه الشركات هم زملاء سابقين لهم، وبسبب العلاقات الاجتماعية بينهم يحرصون على شغل الوظائف في مؤسساتهم بهؤلاء الزملاء.
إذًا أيها الأعزاء في لجنة دراسة لائحة الوظائف هذا التسرب ليس سببه قلة الرواتب، فرواتبهم جيدة جداً، وساعات عملهم محدودة مقارنة بغيرهم، ولا يعانون من مسؤوليات تخضع لرقابة كبيرة قد يجذبهم لتحملها بدلات مغرية.
الشق الآخر هو المعلم: ما سبب تسربه من الميدان التربوي؟ في الحقيقة أن تجربة تدريس 45 طالبا في الصف الواحد، ومنهج ثقيل وفي بيئة فقيرة من فصول لا علاقة لها بالتعليم سوى السبورة والأقلام التي يشتريها المعلم من راتبه؛ كل ذلك يجعله مثخنا بالجراح والآلام التي تجعله يفكر طوال النهار في مكان لا يسمع فيه صوت جرس الحصة.
وببساطة إن السعودية تكاد تكون البلد الوحيد الذي يدرس فيها مدرس الرياضيات 24 حصة في يوم قصير نسبياً يقضيه واقفا على قدميه دون ساعات مكتبية يحضر فيها درسه أو فترة راحة لعموده الفقري ودماغه المليء بثلاثة مناهج على أقل تقدير!
المال والبدلات ليست كل شيء خاصة بالنسبة للمعلم المتميز، أما من يعتبرون الوزارة الأهم في السعودية مجرد وسيلة لتكوين الثروات وصناعة أعمالهم الخاصة فإن إيقافهم عن عبثهم هو معيار الوطنية الدقيق، فليس من الوطنية أن تكلف وطنك راتبين وأنت تعمل عملاً واحداً.