فقط منذ أسبوع بدأت في متابعة مقتطفات من مقاطع الفيديو التي دأب على تصويرها ونشرها، وقد كنت أضحك ملء قلبي للحد الذي كنت أعيد فيه مشاهدة الفيديو لأكثر من 10 مرات، دون أن أشعر بالملل ولو للحظة، وبعد أن تسقط دموعي من فرط الضحك، أدون تعليقا صغيرا بأن صاحب الفيديو حتما سيتم القبض عليه، لذا، فعليه أن يحترس من إدراج مثل هذه المقاطع مستقبلا على أي من برامج التواصل الاجتماعي، كنت متأكدة بأنه سيتم القبض عليه، لا بل كنت واثقة تماما أن هذا الشاب الكوميدي خفيف الظل، لن يظل حُرا طليقا ليفعل ما يحلو له. لن يستطيع المجتمع أن يصمت على مثل هذه التصرفات الشائبة، وإن كانت مضحكة جدا، ببساطة لأنها ستعمد إلى دفع العديد من المراهقين والشباب للسير على نفس خطى الشهير، فقط حتى يكتسبوا بعضا أو حتى جزءا من رائحة الشهرة وتصفيق المشاهدين والمتابعين.

بعد أن شاهدت الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره على شاشة التلفزيون، حينما تمت استضافته في أحد البرامج، بسبب قيام أحد من أفراد أسرته بتصويره وهو يرفض مرتبكا وخائفا من فكرة الزواج من ابنة صديق جده، حيث اعتقد أن ما قيل لهُ هو أمر حقيقي، وأنه بالفعل سيدخل مرغما عنه لقفص الزواج، حتى تغيرت لدي العديد من القراءات للمستقبل، حيث سألته المذيعة: لماذا صدقت ما قاله صديق جدك؟ ألم تعتقد بأنه كان يمزح معك؟ رد عليها بطفولة مشبعة بالقلق: لقد أقسم ولهذا صدقته!

سألته المذيعة عن مشاعره الآنية بعد أن اكتشف أن مقطع الفيديو انتشر وشاهده الآلاف من المتابعين، وتداولته أشهر الحسابات، حتى أجابها "أحببت الشهرة!"، إذا كان هذا الطفل الذي لم يبلغ من العمر 10 أعوام، ويظهر أمام الشاشة الفضية ليقول إن الشهرة قد راقت له، وأنه أحب كثيرا أن الناس بدأت تتعرف عليه، فماذا ستتوقع إذاً من بقية المراهقين والشباب في المجتمع، وهم الذين يحلمون بأن يصلوا إلى سقف شهرة "اليوتيوب"، وبقية مشاهير البرامج الاجتماعية الأخرى؟ لقد شعرت بالأسى والطفل يتحدث عن أحلامه القادمة، أنه يأمل بأن تكون لديه مقاطع أخرى تحصد نجاحات ساحقة، ولا يعلم أن نجاح المقطع الذي ظهر به لثوان عدة، كان بسبب عدم وعيه بأن هناك كاميرا تقوم بملاحقته وتصويره، ولأن الجميع تعاطف مع براءته الدافقة، وخوفه من أن تسلب منه حريته، وقناعته بأن ما يقوله الكبار لابد أن يكون حقيقيا ومنطقيا.

ويمر في خاطري ما حدث قبل عام، حينما قام أحد شباب الخليج بالرقص على نغمات أغنية عراقية، وفجأة "شك.. بم" أصبح هذا الشاب حديث المجتمع "الإنستجرامي"، وأذكر أنني أيضا قمت بإدراج الفيديو في حسابي، وكنت أشير إلى السعادة التي كان يتحلى بها الشاب، الذي لم يصدق سقوطه في مستنقع الشهرة، فشعر بأن عليه أن يقدم كل نصف ساعة رقصة جديدة، حتى يكتسب المزيد من الشهرة، لكن المجتمع الذي خرج منه بدا رافضا وبشدة لما قام به الشاب، فقد كان من الأسى بالنسبة لهم أن يتراقص رجل بهذه الطريقة، ويستعرض أمام شاشة كاميرا الجوال مقوماته الجسدية بتحريك رقبته وكتفه، على نغمات الأغاني التي كانت تداعب المشاهدين قبل أن تطوق رأسه، وبسبب الهجوم القاسي الذي تعرض له، آثر الانسحاب تماما، وتخلى عن الرقص، احتراما للمجتمع الذي لم يستطع أن يتقبل ما يقوم به الشاب، لنلاحظ أن الشرطة لم تلق القبض عليه، ولكن المجتمع بدا ساخطا على ما قام به، مما دعا والد الشاب إلى أن يطلب من ابنه التوقف عن مغامراته في الرقص، حفاظا على سمعة الأسرة.  

بعد أن تم القبض على عدد من الشباب الذين أساؤوا إلى المجتمع السعودي، من خلال استخدامهم مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، لنعترف بوجاهة بأن العديد من الشباب بدؤوا يشعرون بالخوف، وضرورة الانضباط الأخلاقي. سجن مشاهير التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يكون الهدف منه ترويع المواطنين والمواطنات، وإنما هي "قرصة" أذن قاسية، في تأكيد وزارة الداخلية على أهمية احترام خصوصية المجتمع، وضرورة الوعي بكيفية استخدام الإنترنت وقنواته المباشرة، حتى لا تكون هناك فجوة هائلة، وخلل أخلاقي بين مختلف أفراد المجتمع، وحتى أيضا لا يتمكن البعض منهم من التعدي على خصوصيات الآخرين بدافع الضحك والفكاهة.

في الحقيقة لقد دافعت عن البعض منهم، لأنني بطبيعة المرأة العاطفية والمليئة بالشغف والحياة والحب، كنت أدرك مدى الغباء الذي تورط فيه مثل هؤلاء المشاهير، ولكن تدخل "الداخلية" في القبض على كل من تجاوز حدود الأعراف والتقاليد، جعل الكثير من المراهقين يدركون تماما أنه لا يمكن لهم الحصول على الشهرة والسجن معا، وأن التصفيق الهائل من المعجبين والمعجبات مكلف جدا، ولا يمكن العبث مع أجهزة القطاع الحكومي أو غيرها، حتى وإن بدا الأمر مضحكا ومسليا إلا أن نتائجه رديئة حقا، ومن الممكن أن يؤدي لضياع مستقبلهم، لذا، يتوجب على الأسرة ليس فقط مراقبة ما يشاهده أبناؤها من خلال هواتفهم الجوالة، ولكن الحديث الدائم معهم عن مفهوم صناعة المستقبل، وضرورة إرساء بناء ما هو قادم، حتى لا يعيشوا في دائرة عقدة عار الماضي، وتجرع الخيبات والمرارات القادمة، فالكثير من البشر حول العالم، وليس فقط في السعودية، ذاقوا ويلات عظيمة بسبب خطأ ما قد اقترفوه في صباهم، من دون وعي للأسف ونتيجة للامبالاة الطائشة واللامعقولة التي حظوا بها.

على الشباب أن يدركوا أن ما يقومون به الآن هو تشكيل لصورهم القادمة، لهذا السبب، اختر عزيزي وعزيزتي القارئة أن تكون دائما في قلب النجاح، لا في قلب السجن بسبب امتداد فقاعة الفراغ الذي جاء بسببك أنت، وقد كان بداياتك الأولى في السقوط العلني.