‏دعا  كثير من التربويين لإدراج مقرر دراسي للأخلاق في نظامنا التعليمي، أسوة ببعض دول الشرق الأقصى، وأشهرها تجربة اليابان. بعض المعارضين يقول ألّا حاجة لهذا المنهج، لأن أغلب هذه الأخلاق هي قيم إسلامية يجب احترامها من المسلم. وفي ظني ربما يتعارض فهم هؤلاء مع قول سيد الخلق عليه السلام "إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ففي قوله "لأتمم" دلالة على وجود الأخلاق قبل الرسالة، هذه الإشارة التربوية النبوية تدل على أن الأخلاق يمكن تعلّمها واكتسابها ويؤكدها قوله عليه الصلاة والسلام "إنما الحلم بالتحلّم"، وقوله :من يتصبر يصبّره الله".

‏في رأيي الشخصي علينا أن نفعِّل تدريس الأخلاق بأسرع ما يمكن، فالشواهد من حولنا كثيرة على حاجتنا الماسة لمثل هذا المقرر لنشر وتعزيز الأخلاق الحسنة بين الناشئة. المتوقع أن يسهم هذا المقرر في مساعدة الأسر كثيرا على تنشئة أبنائها على الأخلاق الحميدة، ولا شك أن تدريس مثل هذا المقرر سيعيد إفشاء الأخلاق في مجتمعنا على اختلاف فئاته العمرية، فطبيعة مجتمعنا الشابة تجعل في كل أسرة طالبا أو اثنين على الأقل وتحلّيهما بالأخلاق الحسنة سيضمن نقل هذه المعرفة والممارسات الخلوقة للمنازل. بل ربما بشيء من الحظ وبإخلاص المعلمين سينشأ جيل رائد أخلاقيا يطبِّق ما يدعو له من فضائل، ويعمل على إشاعتها فيمن حوله وممارستها بنفسه، فيؤدي الأمانة ويحمي الضعيف وينصر المظلوم ولا يكذب أو ينافق. أو ربما على سبيل المثال سيعلِّمنا الصغار من جديد كيف نظهر احترامنا  لكبار السن، متبعين بذلك أمرا نبويا كريما "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم".

‏شاهدنا جميعا سعادة مدير تعليم الباحة الذي كان يزاحم المسن لمنعه من الحديث مع معالي الوزير. المقلق في هذا المقطع هو وجود المسن والمدير والطفل والسلطة ممثلة في معالي الوزير في مقطع مدته دقائق معدودة. كان مدير التعليم يزاحم المسن بكتفه لمنعه من الوصول إلى الوزير، وفي نفس الوقت يدفع طفلا صغيرا أمامه ليوصله إلى معالي الوزير حرصا على تكريم الطفل. هذا التناقض التربوي الذي شهده الطفل بحضور رجل التعليم الأول وشاهده المجتمع لا يسهل تبريره بأن نقول "الشيخ المسنّ لاحق الوزير"، كما جاء في تصريح إدارة التعليم بعد انتشار المقطع، إذ لم ينفِ المتحدث الإعلامي واقعة الدفع، بل ذكر أن للمسن مطالب، وفات على المتحدث أن وجود المطالب مؤشر آخر يجعل تسهيل لقاء المسن بمعالي الوزير أولوية من أولويات إدارة التعليم، لكن للأسف هذا لم يحدث. كذلك كان بإمكان معالي الوزير في تلك اللحظة أن يبادر بالاقتداء بالمغفور له الملك عبدالله، ويقول لمدير التعليم "لا تدف أحد"، كما في المقطع المشهور عنه، رحمه الله، لكن هذا لم يحدث أيضا. القصة القصيرة التي رأيناها في هذا الموقف هي مثال على العديد من القرارات اللحظية التي يمر بها كل مسؤول في كل يوم. قرارات أخلاقية لحظية كاللبن المسكوب لا يمكن استرجاعه ويمكن فقط التعايش مع عواقبه أو السيطرة عليه قبل وقوعه.  

‏‏يطرح الكاتب Plante في كتابه القيِّم ‏ (Do the Right Thing: Living Ethically in an Unethical World)  فكرة الأخلاقيات ويسلط الضوء على مبادئ مهمة لا يجدر التغاضي عنها في الحياة العامة والخاصة عند اتخاذ القرارات. يقدّم الكاتب معايير لحماية القرارات الأخلاقية اللحظية، منها على سبيل المثال قاعدة (ماذا لو). في هذه القاعدة يساعد الكاتب قُرّاءه على اتخاذ القرار الأكثر أخلاقية بأن يرشدهم لسؤال أنفسهم عدة أسئلة في لحظة اتخاذ القرار، ومنها على سبيل المثال "ماذا لو ظهر هذا القرار في التلفاز؟ ماذا لو علمت أمي بذلك؟ هل سيجعلها هذا القرار تفتخر بي؟ هل ستخبر الجميع أنني ابنها". هذا الكتاب كذلك يمنح القارئ فرصة التجربة بطرح تدريبات في نهاية كل فصل بالاعتماد على المبادئ التي ناقشها الفصل.

‏ انصح بقراءة هذا الكتاب الذي كان مرجعنا الأساسي في مقرر (تعزيز أخلاقيات المهنة)، ضمن مرحلة الماجستير.

‏نعم نحتاج لطرح هذه المقررات المتخصصة، ولا أظن أن جامعاتنا أو دوراتنا التدريبية المهنية تقدّم محتوى مشابها. كما أظن أننا فعلا بحاجة ماسة لتدريس مقرر الأخلاق في مراحل التعليم العام، لأننا منطقيا وأخلاقيا مطالبون بتعليم الطالب ثم محاسبته؛ أما الحديث عن محاسبة المسيئين دون بذل جهد في تعليمهم الخلق الحسن وحمايته بالنظام وتعزيزه بالقدوة الحسنة فهو ظلم لأنفسنا وخسارة مضاعفة للأجيال الناشئة.