لم يكن الكشف الأثري الذي أعلنت عنه الهيئة العامة للسياحة والآثار قبل أسابيع والمتمثل في نقش فرعوني يكتشف لأول مرة في الجزيرة العربية ، حدثا ثقافيا وإعلاميا عابرا ـ أو هكذا يفترض ـ فقد أصبح الحديث عن الآثار التاريخية المهمة على مستوى العالم ، حديثا أبعد من كونه درسا تاريخيا يدون ضمن مئات الآلاف من الأحداث ثم ينسى . فكشف مثل هذا كان من المتوقع أن يفتح أبوابا للحوار في بعض ما كان يعتبر من المسلمات التاريخية ، كموضوع الهجرات من جنوب الجزيرة العربية إلى الشمال والعكس ، خصوصا أن هناك عدة طروحات علمية سبقت هذا الكشف ،ترى أن الهجرات الحضارية لم تكن من الجنوب إلى الشمال ، بل إن البداية الأولى لهذه الهجرات جاءت من الشمال إلى الجنوب . وسواء كان الاتجاه من الجنوب إلى الشمال والعكس ، فإن الأمر سيان ، فالأهم هو مدى أهمية الأثر التاريخي في واقعنا المعاصر. ولكن المقصود هو أن حدثا مثل هذا كان يمكن أن يكون مناسبة لعقد ندوات وحلقات نقاش علمية ، تحاول تلمس الطرق الأسلم لنشر ثقافة الحفاظ على الموروث الحضاري لوطننا ، وخصوصا المادي منه ، الذي تداعى بشكل محزن ، بفعل الإهمال ، وحتى بفعل الإزالات القسرية له ، لتحل مكانه مدن الأسمنت .
الأكثر إيلاما أن من اطلع على تعليقات بعض من تناول الخبر في المواقع الإلكترونية على وجه الخصوص، يدرك مدى قصور الوعي الذي تعانيه شرائح اجتماعية واسعة في مجتمعنا ، تجاه المعنى المقصود من الاهتمام بهذه الاكتشافات الأثرية ، حيث ما زال الكثيرون يعتقدون أن الأمر تضييع للمال والجهد فيما لا ينفع ، فتجد من يقول " وماذا سيستفيد الناس من نقش على صخر ؟ " . والواضح أن هؤلاء لم يدركوا بعد الأبعاد الثقافية والاقتصادية للكشوفات الأثرية ، ولم يعرفوا أن دولا كثيرة في مناطق مختلفة من العالم تعتمد بشكل أساسي على عائدات السياحة الثقافية التي توفرها الأماكن الأثرية ، وخصوصا تلك التي تعود لآلاف السنين .
وفي السياق ذاته يجب الاعتراف أن هناك جهودا جيدة قامت وتقوم بها الهيئة العامة للسياحة والآثار ، في مجال تأهيل الأماكن الأثرية . ولكن مع ذلك ما زالت الخطوات تحتاج إلى تنشيط أكبر ، فمعالم مثل مدائن صالح التي أصبحت ضمن التراث العالمي ، وموقع الأخدود في نجران ، لم يتم تطوير الخدمات المساندة لها بالشكل المناسب حتى الآن ، ولم تستغل في جذب سائحين أجانب بالمستوى المطلوب . وأرى أنه من المهم استقطاع ميزانية أعلى، لإنشاء مرافق خدمية على مستوى عالمي وبأسرع وقت ممكن ، وذلك بالشراكة مع القطاع الخاص الذي أجزم أنه لن يتردد في حال وجود بنية تحتية جيدة، ونظام مرن في التأشيرات السياحية، تمكنه من تحقيق عائد مادي معقول .