الأستاذ صالح يعلق باستمرار على مقالاتي هنا في موقع "الوطن" الإلكتروني. هذا التفاعل من صالح ورد الصوت مهم جدا، ولولاه وأمثاله من علاقات التواصل لما كان للكتابة معنى ولا دلالة عندي. كتعليق على المقال الأخير سألني صالح: ثم ماذا؟ وكتبها بالإنجليزيةSo What هذا السؤال يتطلب نقلة في التفكير غالبا من النظرية للواقع. هذه النقلة مفضلة بالنسبة لي باعتبارها تعيد الفكرة إلى محضنها الأساسي "الواقع" ليختبرها ويعطيها المعنى. كان فيلسوف البراجماتية جون ديوي ينتقد الفلاسفة كثيرا حين لا يعيدون أطروحاتهم ونظرياتهم إلى مختبر الواقع للتأكد من صلاحيتها وفعاليتها. بدلا من ذلك تجدهم يضعون تلك الأطروحات حكما وقاضيا على الواقع، مما يضعف احتمال اختبار تلك الأفكار وتقييمها. الآن الصديق صالح يطلب مني القيام بهذه الخطوة تحديدا. صالح يطالبني بالجواب عن السؤال الاجتماعي ثم ماذا؟ لكن لمن لم يتابع المقالات السابقة هنا بعض من سياق الحوار مع صالح.
المقالات السابقة كانت تأملات في قضية الغموض في الخطاب. كنت أحاول البحث عن دلالات وأغراض هذا الغموض. في البداية استعرضت أطروحات للدكتور سعد البازعي والأستاذ شايع الوقيان، وتحدثت عن علاقة الغموض بحرية التعبير كما علاقته بموضوع البحث وأسلوب الكتابة. انتقلت بعد ذلك لمناقشة الغموض من جوانب إضافية كعلاقته بتشكيل الهوية الفردية بحيث يعبر في أحيان عن بحث شخصي عن مكانة اجتماعية خاصة تتحقق في دعوى امتلاك معرفة، ليس من اليسير للآخرين الوصول إليها. الغموض هنا يصبح ردا على المجتمع الذي يقول "أنت لا تمتلك شيئا خاصا أو مختلفا"، الخطاب الغامض يقول "هاكم شيء لا يمكنكم الوصول إليه بسهولة". بعد ذلك انتقلت لمناقشة خطاب الألغاز كخطاب غامض وميزت بينه وبين الخطاب الغامض باعتبار أنه خطاب واضح الغموض. أعني به وضوح التعاقد بين المرسل والمتلقي على غموض الخطاب. اللغز في هذه الحالة، وبسبب وضوحه، لا يربك علاقة الذات بالآخر. انتقلت بعد ذلك إلى السياق التربوي للخطاب الغامض، حيث يسعى المتلقي لاستفزاز حاسة التفكير عند المتلقي. هذا النقاش نقلنا إلى التفريق بين الخطاب الموضوعي الذي يستقي غموضه (طاقة الاستشكال والسؤال) من موضوع البحث (الطبيعة في الخطاب العلمي مثلا)، وبين الخطاب الذاتي الذي يستقي غموضه من خطاب التواصل (في الشعر مثلا). الآن يأتي صالح ليسألنا عن القيمة الاجتماعية لكل هذا.
أول قيمة اجتماعية يمكن استنتاجها من هذا الطرح هي الوعي بتأثير الخطاب الغامض على العلاقات الاجتماعية. أطروحتي البسيطة هي أن الخطاب الغامض يرفع احتمالات ارتباك العلاقات الاجتماعية. مثلا خذ في التربية والخطاب بين الأب والابن. قارن بين العبارتين التاليتين: العبارة الأولى يقول الأب للابن "اجلس على المقعد بظهر مستقيم"، العبارة الثانية يقول الأب للابن "اجلس بطريقة صحيحة". صورة أخرى: العبارة الأولى يقول الأب لابنه "لا تأكل بطريقة سريعة"، العبارة الثانية "لا تأكل بالطريقة الخاطئة". أعتقد أننا سنتفق على أن العبارات الأولى أكثر دقة ووضوحا من العبارات الثانية، لكن هل سيؤثر هذا على العلاقة بين الأب والابن؟ جوابي هو نعم، ومن هنا تكمن الأهمية الاجتماعية للتحليل السابق.
الخطاب الواضح مريح أكثر للطرفين، خصوصا الطرف المتلقي للأوامر. الغموض يعطي الطرف صاحب السلطة مساحة أوسع للمراوغة وإساءة التصرف بالسلطة. المدير الذي يعطي أوامر غامضة لموظفيه يستطيع التنصل من مسؤولياته عن أوامره، باعتبار أن الموظف قد أساء فهمه. كذلك المدير يستطيع توسيع دائرة العقوبات ضد الموظفين، باعتبار أنهم مهما عملوا يمكن تفسير عملهم بفهم خاطئ لتوجيهاته. من هنا تأتي الأهمية البالغة لوضوح الخطابات القانونية والقضائية لخفض احتمالات استغلال الفراغات من أي طرف من الأطراف. هذا الاحتياط لن يقضي على إشكاليات تعدد التأويلات والتفسيرات للخطابات، مهما كانت واضحة، ولكنه يهدف إلى عدم رفع احتمال فشل تلك التأويلات والتفسيرات. الغموض يبرز هنا كممارسة للسلطة من مرسل الخطاب فهو يحتفظ بمرجعية التأويل. الخطاب الواضح يحيل المرجعية إلى المعنى الموضوعي المشترك، أما الخطاب الغامض فهو إحلال لمرسل الخطاب بدلا من المشترك الموضوعي.
الزوجة تغضب من زوجها الغامض، باعتبار أن غموضه مؤشر على تفكك العلاقة الزوجية. العلاقة الزوجية عبارة عن عمل مشترك، والعمل المشترك يتطلب شراكة في الأهداف والوسائل بين الأطراف. غموض الزوج يشير إلى احتمال وجود أهداف خاصة من طرفه خارج العمل الجماعي. الزوجة وهي الشريكة أصبحت خارج العمل المشترك. غموض الزوج هنا أصبح تعبيرا عن خلل في العلاقة الزوجية. يمكن هنا الاستمرار في ضرب الأمثلة من السياق التربوي والسياسي... إلخ، لتوضيح أن التعاقدات قائمة على فرضية الوضوح في التواصل، وأن الغموض يتسبب في إرباك العلاقات الاجتماعية.
إذن جوابي للغالي صالح عن المعنى الاجتماعي لتحليلاتي حول الخطاب الغامض يمكن اختصاره في التالي: الغموض قد يكون مؤشرا على تسلط مقيد لحرية أطراف العلاقة التواصلية. هذا التسلط قد يكون المرسل ضحية له وقد يكون مصدرا له. النقطة الثانية أن الغموض في الخطاب قد يكون علامة على تفكك الشراكة بين أطراف العلاقة الاجتماعية وعلامة على انفراد جزء منهم بأهداف خاصة وخفية عن بقية الشركاء. كل هذه برأيي نتائج عملية لها أثر مباشر على العلاقات الاجتماعية. انتهى المقال وبانتظار تعليق العزيز صالح.