يظن بعض الناس أن بيان الحق بالدليل والأرقام، كاف في انصياع الناس له، أو على الأقل عدم معارضته وتكذيبه، على اعتبار أن الحقائق عنيدة، وأن لغة الأرقام لا تكذب.

وهذا ليس على إطلاقه، فإن طائفة من الناس، لا سيما الملأ منهم، لا يذعنون للحق، ولو جاءتهم كل آية، لا لعدم معرفتهم بالحق، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإنما بغي وظلم وعدوان.

ولهذا لما أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ليقوم الناس بالقسط، كما قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، لم يقبله كثير من الناس، ولم يكتفوا بذلك، وإنما تمالؤوا ضده، ليطفئوا نور الله بأفواههم، وأخذوا بالتضييق على الحق وأهله، واختلقوا الأكاذيب والتهم، فكان لا بد من السيف الناصر، مع الكتاب الهادي، ولهذا كانت تكملة الآية هي قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب).

فمن تجنى على الحق وأهله، ولم يقوِّمه بيان الحق والنصح، فإن الحديد يقوِّمه، فالحق بدون قوة تحميه، كالطائر بجناح واحد.

ويعلم أهل العلم: أنه لم يمر على الأمة الإسلامية منذ القرن السابع إلى اليوم، أعلم من شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، لكن لما لم يكن هناك حاكم ينصره، فقد مات مسجونا، مضيقا عليه، مع ما كان يقوله من دليل قاطع، وبرهان ساطع، وحجة دامغة، وأسلوب حكيم.

ولولا أن الله منَّ على قادة هذه البلاد، بتكليف من يجمع مخطوطاته في بلاد العالم، ثم تحقيقها وطبعها، في 37 مجلدا، لضاع كثير من كنوز هذا العالم الراسخ.

بينما نجد أن الإمام محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، انتشر علمه، ودعوته للتوحيد، بتوفيق الله ثم بسبب نصرة الحاكم الإمام محمد بن سعود، رحمه الله، له، فاجتمع الكتاب الهادي، والسيف الناصر، فكان عاقبة ذلك، هذا الخير الذي نتفيؤه.

وهكذا الشأن في أمور الدنيا، فإن لغة الأرقام والحقائق مفيدة، لكن عند من يُقدرها ويعمل بمقتضاها، ممن يحب العدل، أما من كان من أهل الظلم والبغي، فإنه يكيل بمكاييل مختلفة، فيغض الطرف عمن يهواه من المجرمين، ويتحامل على من لا يهواه من المسالمين الصادقين.

هؤلاء الظلمة لا قيمة للحقيقة عندهم، ولا للأدلة والوثائق، إذا خالفت أهواءهم، لا سيما إذا ظنوا أن لا قوة تحمي تلك الحقيقة. والمتابع يلاحظ أن لغة الأرقام والحقائق تدين نظام إيران بالإرهاب، من خلال تفجيراته، ودمويته، واحتضانه قادة الإرهاب، هذه حقيقة يعرفها كل أحد، حتى عجائز نيسابور، ولكن مع هذا نرى بعض دول الغرب، تغض الطرف عنه، على قاعدة: "وعين الرضا عن كل عيب كليلة". يفعلون ذلك تعاونا على الإثم والعدوان، لاتفاقهما في كراهية دين الحق، الإسلام.

بينما يعلمون بالوثائق والأرقام أن المملكة العربية السعودية هي بلد الخير والسلام، لا تؤذي أحدا أبدا، بل شمل خيرها وبرها القريب والبعيد، وهي أول من اكتوى بالإرهاب، وعملياته الإجرامية، في حين لم يقع في إيران تفجير واحد، وكيف يقع فيها، وهي التي تؤويهم وتقودهم وترسلهم إلى حيث شاءت؟ وبحمد الله فإن المملكة العربية السعودية تملك الأمرين، الحقائق الدالة على عدالتها وسلامة منهجها، وتملك القوة، وتستعملها إذا اضطرت إليها، مع أنها دولة سلام، وتجنح للسلم، ولا تتدخل بشأن أحد، ولا تسمح لأحد أن يتدخل بشأنها، لكن إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا، فما حيلةُ المضطر إلا ركوبها.

وقد أمرنا الله تعالى أن نعد القوة بكل معانيها، كما في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).

ونهانا أن نحسن الظن بالأعداء من الكفار والمنافقين، فقال تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ)، وقال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء).

ومن القوة أن نكون كالبنيان المرصوص، لئلا ينفذ أي متربص من خلالنا، والعدو يفرح بلجوء البعض إلى قنوات، أو صحف، أو وسائل تواصل اجتماعية، ليتهم من خلالها دعوة التوحيد في بلادنا بأنها سبب التكفير والعنف، ونحو ذلك من التهم الظالمة التي لا تصمد أمام البحث العلمي المنصف، كما يفرح بمن يُشغِل الناس بجدل بيزنطي، ومعلوم أن البيزنطيين كانوا يتجادلون بشأن جنس الملائكة، والعدو على أبواب بلدهم، فانشغلوا عنه بالجدل، فكان عاقبة أمرهم خسرا، كما أن مما يُفرح العدو الإرجاف والنظرة السوداوية المحبطة، وكثرة التسخط والتشكي والنقد لكل شيء، فهذا خطأ كبير، وإن كان ذلك تحت شعار الرغبة في الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنقد، فالعبرة بالحقائق لا بالشعارات، والنقد البناء، والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له طرقه الشرعية، وليس منها إلقاء التهم جزافا، وتسويد المشهد.