عقد الخبراء والمختصون في واشنطن اجتماعا في أكتوبر الماضي لمناقشة مشكلة قديمة تتعلق بالقضاء على الفقر في العالم. وفي الاجتماعات السنوية التي يعقدها البنك وصندوق النقد الدوليين، طرحت الأهداف الطموحة للتنمية. وكما كان الحال من قبل، سُلط الضوء قليلاً على البلد الأكثر نجاحا في القضاء على الفقر في العالم، أي الصين. والغريب أن بيانا مشتركا من قِبل البنوك متعددة الأطراف عن القضاء على الفقر بحلول عام 2030، لم يذكر هذا البلد (الصين) ولو مرة واحدة على سبيل المثال.


ركود اشتراكي

تمثل الصين وحدها ثلاثة أرباع الحد من فقر جميع أنحاء العالم. ففي غضون جيل واحد تحولت هذه البلاد من حالة ركود اشتراكي، أكثر فقرا مما كان في بنجلاديش وتشاد عام 1980، إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. صحيح، أنه لا يزال هناك تفاوت هائل في الصين، ولم يستفد الكثير من ازدهارها. ومع ذلك، أزال نمو الصين براثن الفقر المدقع عن 700 مليون شخص. وكان المجتمع الدولي - إما ليس براغب أو غير قادر- على أخذ الدروس من نجاح الصين لسبب واحد: هو الاستبداد الذي يمنع الحزب الحاكم من الانتخابات الوطنية، ولا تجد الحقوق الفردية الحماية القانونية، مما جعل الصين تفشل في اتخاذ معايير عديدة من الحُكم الرشيد.

ومن الواضح أنه سيكون من العار أن يصرف النظر تماما عن تجربة الصين. ولذا يتعيَّن علينا أن نأخذ الدروس من ذلك، وعلينا أيضا أن نتبيَّن ما يمكن أن نتعلمه وما لا يمكن أن نتعلمه من الصين.




دكتاتورية متجانسة

إذاً فما الذي هناك لنتعلمه من الصين؟ تحت "قشرة" الحُكم الاستبدادي تقع أمور مرتجلة وإبداعات هائلة في كثير من الأحيان، في إطار حزب الدولة وعلى مستوى القاعدة الشعبية للمجتمع، مثل التخطيط المرتجل من أسفل إلى أعلى، وليس التخطيط المركزي الذي قاد هروب الصين من مصيدة الفقر. وخلافا للآراء الشعبية باعتبار الصين دكتاتورية متجانسة، إلا أنها واحدة من أكثر الإدارات لا مركزية في العالم، حيث يرسم قادة بكين الرؤى الكبيرة للتنمية، ويتم العمل لتنفيذها على المستوى المحلي، حيث تتعامل الحكومة مباشرة مع المستثمرين والناس كافة. وإحدى السمات البارزة لهذا النموذج حرص المسؤولين المحليين ورجال الأعمال لبدء الأسواق باستخدام ما يبدو أنه أسلوب "خاطئ". ولإيضاح هذه النقطة، يجب أن نستعرض لها التاريخ. إذا نظرنا إلى ماضي المدن الساحلية الغنية في الصين اليوم، فهل استطاعت التخلص من الفقر من خلال إنشاء أول حقوق الملكية الرسمية، والقضاء على الفساد، وتعيين مسؤولين تكنوقراطين، كما هو الحال في سنغافورة؟ لا لم يفعلوا ذلك.





المميزات الفريدة

للوضوح، إن الدرس المستفاد هنا هو... ليس ينبغي على البلدان الأخرى نسخ الأشياء الدقيقة التي فعلتها الصين، فهذا قد يكون غباء. ولذا فإن وجهة نظري أنه يجب على المجتمعات الفقيرة الاستفادة من الميزات الفريدة الخاصة بها للانطلاق في التنمية، بدلا من استيراد ممارسات الدول الثرية.

ولكن ما نحتاجه حقا هو أن نفهم كيفية تحقيق النجاح في ظروف غير مواتية، وكيفية تحويل المشاكل التي تواجه الدول النامية بالحلول المحتملة، وكيفية الاستفادة من المعرفة المحلية لمواجهة التحديات.

وينبغي على جميع هذه الجبهات اتخاذ الصين حالة نموذجية، لكن يجب ألا تُنسخ تجربتها جملة وتفصيلا، ويجب عدم تكرار تجربة أي بلد آخر، بما في ذلك الولايات المتحدة، بصورة عمياء في أي مكان آخر.

عندما يواصل قادة تنفيذ جدول أعمال الأمم المتحدة لعام 2030 من أجل التنمية المستدامة بعد أسبوع من المداولات المكثفة، فإن تجربة الصين هي بالتأكيد ستكون إحدى المواضيع التي لا يمكن تجاهلها.


أستاذ مساعد في العلوم السياسية، جامعة ميتشيجان– (معهد بروكيجنز) - الأميركي