عندما نتحدث عن البطالة في المجتمع السعودي فيجب علينا استبعاد الكثير من الأسباب والمؤشرات المعمول بها عالميا لأنها لا يمكن أن تساعدنا في فهم البطالة التي يعاني منها الشباب، ويجب علينا تقديم معيار واحد على جميع هذه المعايير وهو معيار "خصوصية المجتمع السعودي" تلك الشماعة التي نلجأ إليها لتبرير عجزنا عن التعامل بنجاح مع بعض القضايا الجوهرية.

عندما تخرّج بعض مؤسساتنا التي عُهد إليها بمحاربة البطالة آلاف العاطلين ونكافئها بالمزيد من الدعم بدلا من محاسبتها أو إغلاقها فلدينا أسباب غير مفهومة للبطالة. عندما يتواجد بيننا حوالي تسعة ملايين وافد كلهم يجدون عملا ولدينا أكثر من مليون شاب وفتاة عاطلون عن العمل فلدينا معادلة مقلوبة تقوم على أن المصالح الفردية مقدمة على مصلحة الوطن.

عندما تفشل مناهجنا في بناء جيل يحترم قيم العمل، فتجدهم يتسابقون في تمزيق الكتب ورميها في حاويات النفاية بعد كل امتحان بشكل يوحي بوجود عداوة بين الطالب وبين المنهج؛ فإن لدينا أسبابا تربوية يجب بحثها قبل الحديث عن البطالة. وعندما يسمى قطع رزق المرأة التي تبحث عن عمل شريف "احتسابا" فلدينا مشكلة فكرية يجب حسمها قبل الحديث عن البطالة.

عندما نغلق أبوابنا بالضبة والمفتاح على مئات الألوف من بناتنا الراغبات في العمل ونسمح لغير السعوديات بممارسة هذه الأعمال فلدينا أسباب اجتماعية خاصة بنا تساهم في البطالة. عندما نريد أن نطبق معادلة المستحيلات حيث يرفض بعض أفراد مجتمعنا عمل المرأة وخروجها من المنزل، ويؤكد على أن وظيفة ربة بيت هي العمل الوحيد الذي يناسب المرأة في الوقت الذي نجد هؤلاء يغضبون إذا لم يوفر لهم المستشفى طبيبة تتعامل مع النساء، فهذا يثبت أن لدينا أسباباً غير منطقية لبطالة النساء. عندما نمنع المرأة السعودية من العمل في محلات الملابس النسائية ونستقدم رجالا لممارسة هذا العمل فلدينا أسباب غير عقلانية للبطالة.

لأننا مجتمع لديه خصوصية الكرم فقد سمحنا للاستثمار الأجنبي أن يخلق مئات الآلاف من الوظائف لغير السعوديين، ولأننا مجتمع لديه خصوصية التسامح فقد سمحنا للمستثمر الأجنبي أن ينافس السعودي في كل شيء بل أكرمناه بامتيازات خاصة، وأحمد الله أنني لا أعرف هل يدفع هذا المستثمر جزءًا من أرباحه لهيئة الاستثمار أم لا، ولكن الذي أعرفه ومتأكد منه أن غير السعوديين سواء كانوا مستثمرين أجانب أو أنهم من تحت عباءة حزب المتسترين يسيطرون على مهن وأعمال يفترض أن تكون مقصورة على السعوديين.

فمن يصدق أن "تجارة التمور" التي تعتبر من الأعمال المفضلة والخاصة بالسعوديين سقطت في أيدي العمالة الوافدة وأصبحوا يديرونها بالكامل، حتى إنهم اخترعوا مسميات جديدة لأنواع التمور، وبسقوط هذا القطاع يعترف السعوديون بأنهم خسروا آخر معاقلهم في معركتهم مع العمالة الوافدة.

الأرقام الفلكية التي تنهال على أية جهة حكومية تعلن توفر وظائف حكومية تعكس أن لدينا خللا يجب أن ننظر إليه بجدية، ويجب أن ننظر إليه اليوم قبل غد، ويجب أن ننظر إليه دون مجاملة لأحد.

البطالة أصبحت خطرا استراتيجيا يهدد المجتمع السعودي ويؤثر في حياة الشباب، والشباب هم مستقبل الوطن، ومصلحة الوطن مقدمة على كل الاعتبارات. ربما نحتاج إلى قرارات صعبة ولكنها أصبحت ضرورية، لا نحتاج إلى دراسات ولا نحتاج إلى استراتيجيات، نحتاج قرارات حازمة قد يكون لها أضرار جانبية لبعض الوقت وقد يغضب منها البعض ولكن في سبيل مصلحة الوطن كل شيء يصبح أمرا ثانويا.