في ورقته الأخيرة التي طرحها ضمن نشاطات حلقة الرياض الفلسفية (حرف) يجيب الأستاذ شايع الوقيان على سؤالين مهمين، هما سؤال الشخصية Personhood وسؤال البقاء والاستمرار Persistence  فالسؤال الأول، سؤال الشخصية، يسأل: ماذا يعني أن تكون شخصا؟ أي ما هو الضروري والكافي لشيء ما ليمكن اعتباره شخصا؟ السؤال الثاني، سؤال البقاء والاستمرار، يسأل: ماذا يحتاج الشخص لكي يبقى شخصا من لحظة إلى أخرى؟ أي ما الذي يجعل الشخص (أ) في اللحظة (ن) هو ذاته الشخص في اللحظة (ن+1)؟ جواب الوقيان على السؤال الأول هو التالي: يكون الشخص شخصا إذا امتلك وعيا ذاتيا. وجوابه على السؤال الثاني هو التالي: الذي يبقي الشخص هو ذاته مع مرور الوقت هو استمرار وعيه الذاتي. (للمزيد عن أطروحة الوقيان يمكن العودة لنص المحاضرة وهي منشورة على حساب (حرف) على تويتر[email protected]

أطروحتي هنا هي أن معيار الوقيان "الوعي الذاتي" هو معيار ضروري، ولكنه ليس كافيا للجواب على السؤالين السابقين. في البداية دعوني اشرح بسرعة ماذا أعني بكون المعيار أو الشرط (أ) شرطا ضروريا وليس كافيا. الشرط الضروري غير الكافي هو الشرط الذي لا تتحقق الظاهرة إلا به، ولكنه لا يكفي وحده لتحقيق الظاهرة. بينما الشرط الكافي هو الشرط الذي يضمن تحقق النتيجة متى ما وجد مثلا: الأكسجين شرط ضروري، ولكنه غير كاف للاحتراق. لا احتراق بدون أكسجين، ولكن الأكسجين وحده لا يكفي لحدوث الحريق. لذا أقول إن الوعي الذاتي شرط ضروري للشخصية ولاستمرارها، لكنه لا يكفي وحده للأسباب التالية:

أولا: الوعي الذاتي وحده يبقى معيارا ذاتيا غير متاح للآخرين إلا بغيره. بهذا الشكل فهو حقيقة لا يجيب عن سؤال ماذا يعني أن تكون شخصا؟ بل يجيب عن سؤال ماذا يعني أن أكون أنا تحديدا شخصا؟ أيضا هو لا يجيب عن سؤال ماذا يحتاج الشخص ليبقى شخصا من لحظة إلى أخرى، ولكن يجيب عن سؤال: ماذا أحتاج أنا لكي أبقى شخصا من لحظة إلى أخرى؟ الفكرة أن جواب الوقيان لا يعطي جوابا موضوعيا متاحا للجميع، بقدر ما يعطي جوابا ذاتيا لا يتجاوز حدود الفرد. إذا أراد الشخص أن ينقل وعيه الذاتي للآخرين فلا بد أن يشير إلى ما هو خارجي. بمعنى أنه لا يكفي أن يقول أنا أنا لأنني أعتقد أنني أنا أنا. هذه الحالة يمكن إيضاحها بالمثال التالي: لو افترضنا أن (س) ولسبب من الأسباب أصبح يعتقد أنه (ص) "ص هنا شخصية عامة متوفاة"، فإنه يجعل الناس أمام خيارات كلها مرفوضة: أولا أن (ص) عاد للحياة. ثانيا أن (س) تحول إلى (ص) رغم أن كل الوقائع أمامهم تقول إن (س) لا يزال (س). العوائق التي تقف أمام قبول دعوى س يمكن تسميتها بالعوائق الموضوعية المتعلقة بالقوانين الطبيعية والذاكرة والتاريخ المشترك مع الآخرين. لذا هنا أقول إن الهوية الشخصية مرتبطة بالآخر بالضرورة. الوعي الذاتي هنا يحتاج أن يكون وعيا للآخر كذلك.

السبب الثاني هو أن معيار الوقيان لاستمرار الهوية الذاتية "الوعي الذاتي" محصور في كون الفرد شخصا ولا يغطي كامل الوجود الإنساني للفرد. أعني أنه لا يعطينا تصورا للشخصية في الحالات التالية: الطفولة المبكرة قبل الوعي الذاتي، النوم، الغيبوبة. يقول الوقيان إن الإنسان يتوقف عن كونه شخصا في الحالات السابقة. السؤال إذن ما الذي يربط الفرد غير الشخص بالفرد الشخص؟ ما الذي يجعل الإنسان النائم في اللحظة (ن) هو ذاته المستيقظ في اللحظة (ن+1)؟ الوعي الذاتي لا يمكن أن يجيب عن هذا السؤال، باعتبار أنه لا يمتد لمرحلة النوم.

السبب الثالث هو أن استمرار الوعي الذاتي وعدم انقطاعه يتطلب الرجوع لمعيار الذاكرة كما عند جون لوك. أعني أن الفرد يحتاج لتسجيل الذكريات لكي يعلم أنه هو هو ذات الشخص في اللحظة (أ) واللحظة (ب). عندما يستيقظ الشخص من النوم العميق فإنه يستعيد ارتباطه بالماضي من خلال عودة اتصاله بسيال الذكريات في ذاكرته. هنا يكون الوعي الذاتي عالة على الذاكرة.

السبب الرابع وهو مهم للوقيان الذي أشار للمسؤولية الأخلاقية والقانونية لمفهوم الهوية الشخصية. دعونا نستمع للمحاججة التالية في قاعة المحكمة، والتي يفترض أن تحقق شرط الوقيان. محامي الادعاء يقدم كل الأدلة الممكنة ضد (س) لاتهامه بسرقة محل الاتصالات. محامي الادعاء يقدم دليل البصمات وDNA والتسجيل المرئي الصوتي لقيام (س) بالسرقة. في المقابل يقدم (س) محاججة الوقيان بأن كل هذه الأدلة لا تعني أن من قام بالسرقة قبل شهر هو أنا من يقف أمامكم الآن. وعيي الذاتي تغير وأنا اليوم شخص آخر. لإيضاح المثال دعونا نتصور أن القاضي مقتنع فلسفيا بأطروحة الوقيان/(س). هل يستطيع الحكم ببراءة (س) باعتبار أنه اليوم شخص آخر تبعا لوعيه الجديد بذاته؟ وهل يمكن أن يستقيم النظام القضائي مع قبول دعوى (س)؟ سأترك الجواب لكم.

الوقيان مدرك لكل هذه التحديات والصعوبات التي تواجه أطروحة الوعي الذاتي، لكنه يرى أنه الجواب الأفضل المتاح. أتفق مع الوقيان. الأطروحة الأخرى وهي أن الجسد المشترك هو الشرط الضروري والكافي تعاني من مشاكل عميقة كذلك. الذي أحب أن أضيفه لهذا النقاش هو التفكير في سؤال الهوية من منظور الخبرة experience والذي يتلاشى فيه الفصل بين الوعي الذاتي والعالم الموضوعي. الخبرة هنا هي المشهد المشترك بين الأنا والآخر والعالم.