طالب مهتمون بضرورة الالتفات لإحياء ثقافة المقهى كعنصر حيوي من عناصر تفعيل جدة التاريخية، وكمطلب من مطالب تفعيل ملف ما بعد الانضمام لقائمة التراث العالمي باليونيسكو، فمن 67 مقهى، كانت عنوانا لملامح حياة اجتماعية وثقافية، تعبر عن حيوية المنطقة التاريخية، إلى مقهى وحيد، لم يعد ترتاده أسماء ابداعية من عينة حمزة شحاتة، ومحمد حسن عواد وأحمد قنديل، وسواهم من أدباء ومثقفين كانوا يشكلون الإيقاع الذي يمنح المدن شخصياتها، على نحو ما يعبر الكاتب الصحافي الدكتور عبدالله مناع لـ"الوطن"، موضحا أن المقهى كان جزءا أصيلا من روح المدينة لا يدل على ثرائها قدر ما يكشف عن طبيعة علاقاتها الاجتماعية، وهذا هو بالضبط ما تبدو المنطقة التاريخية الآن وقد انضمت لقائمة التراث العالمي باليونيسكو أن تستعيده بجدية.
مقاعد المسامرات الثقافية
الدكتور عبدالله مناع يغوص في تاريخ هذه المنطقة التاريخية، مؤكدا أن المقاهي كانت تتوزع بحسب مرتاديها، فهناك مقهى للأدباء والمثقفين، ومقاه أخرى بحسب المهن، فللشيالون مقهى، وللمخرجين مقهى، وللمعلمين "البنائين" مقهى، وهكذا، فيما كانت "المقاعد" هي المعادل للمقاهي، فالمنطقة التاريخية كانت تضم أكثر من 10 مقاعد، أشهرها مقعد باناجة، ومقعد أبو زنادة، ومقعد باحجري، وعادة هذه المقاعد التي كانت أشبه بصوالين كبيرة داخل البيوت، تحوي ممارسة بعض الألعاب كالشطرنج، إضافة إلى المسامرات الثقافية، والطرب والموسيقى، وكلها أشكال تصب في خانة الثقافة بمفهومها الإنساني الواسع، بحيث تبدو المدينة وكأنها مقهى كبير. ويشير المناع إلى أبرز تلك المقاهي منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات والستينات، ومنها "مقهى الفتيني في حارة الشام، ومقهى محمد إبراهيم في حارة البحر، ومقهى الدكة بحارة الشام، وكازينو باخشوين بالشام أيضا، وكازينو أبو زنادة بحارة البحر، وكازينو الشاطئ، كما أن كازينو المقصف كان في مكان جميل وفخم بجوار البريد. ويكمل المناع ـ معترفاـ لا أتردد في القول بأن المقهى في جدة القديمة عوضا عن كونه ملمحا اجتماعيا، كان من معالم المدينة الحضارية، طيلة تلك الحقبة إلى أن حدثت التغييرات على مستوى الحياة الاجتماعية، وتقلصت المقاهي من المنطقة إلى أن اختفت.
ليست مجرد عقارات
عبدالمجيد عجلان، ستيني متقاعد من عمله في البريد، يبقى هو صاحب المقهى الوحيد في حارة اليمن بقلب المنطقة التاريخية يقول لـ"الوطن": هذا المقهى توارثناه عن العائلة، وهو كما ترى، صغير جدا، والمقاهي انتهى تأثيرها مع رحيل سكان المنطقة نحو الشمال، وأعتقد أن زحف المقاهي الحديثة أثر في المقاهي الشعبية، وغيب تاريخها الثقافي والاجتماعي، ويمكن إعادة اكتشافها من خلال الاستثمار الاقتصادي والسياحي، ويمكن لهيئة السياحة والتراث الوطني الالتفات إلى أهمية صناعة المقاهي ذات الهوية المحلية، وإعادة إنتاج روح الحياة القديمة. ويمكن تحويل المقاهي هنا في المنطقة التاريخية إلى وسيلة جذب، ببرامج ثقافية وفنية ترفيهية مبهجة بما يحفظ هوية المكان، فالأبنية القديمة ليست ملك أفراد، المدينة ليست مجرد عقارات، والجشع التجاري الذي أغلق أهم مقاهي المنطقة، وأوقف الحالة الثقافية التي كانت سائدة قبل الطفرة لابد من كبح جماحه لخلق روح ثقافية جديدة دون أن يتحول استثمار المباني القديمة وتحويلها إلى مقاهٍ موضة تجارية لا علاقة لها بالثقافة.
أثر المكون الاقتصادي
هذه النقلة النوعية التي أحدثها التغيير في نمط المعيشة إثر الطفرة، دفعت أصحاب المقاهي في المنطقة التاريخية إلى إغلاقها وتحول الدور الوظيفي للمقهى كثقافة، واختفت الوظائف القديمة فيه مثل الحكواتي وألعاب التسالي، مثل البلوت والدومينو والغناء كالصهبة والدانة، بدافع التحولات الاقتصادية، طبقا لرئيس بلدية المنطقة التاريخية المهندس سامي نوار الذي يؤكد لـ"الوطن" أن التطور حدث ضمن زمن ثقافي منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وتزامن هذا التطور مع حاجات اقتصادات السياحة، فالمكون الاقتصادي هو المؤثر الأول الذي أدى إلى اختفاء المقاهي من المنطقة التاريخية، ولا شك أن المنطقة في واقعها الجديد كمعلم حضاري وتاريخي هي أحوج ما تكون لإحياء فكرة المقهى فيها لتجمع كل أطياف المجتمع، وأهمهم بطبيعة الحال المثقفون والفنانون، لأنهم هم من يمنحون المكان بعده الثقافي ويتركون أثرا فنيا، ناهيك عن إحياء البعد الاجتماعي المعبر عن روح المكان، من خلال مقهى مفتوح يبرز ثقافة وفنون المنطقة من خلال مسرح تقدّم فيه العروض الموسيقية، خصوصا الجانب التراثي منها.