ليس من باب الضرب بالودع، أو الخط في الرمل، أو قراءة الطالع، وليس من باب الرجم بالظن، أو إيراد المرء أمنياته (أو مخاوفه) مورد الأخبار الجازمة. ولا هي لغة معارضة في مقام التحدي والمجابهة أمام لغة مضادة لها في الموقف ومعاكسة في الاتجاه...
ليس شيء من ذلك وراء البشارة والوعد (لمن شاء) أو النعي والنذير (لمن شاء) بأن "قيادة المرأة للسيارة قادمة".
وليس ذلك الوعد (أو النذير) خبراً راشحاً عن قرار في هذا الشأن تجري دراسته في الجهات ذات العلاقة، ولا علاقة له بالمناقشة المجدولة هذا الأسبوع في مجلس الشورى لتوصية "تدعو لدراسة البيئة الاجتماعية المناسبة للسماح للنساء بقيادة السيارات".
فقد ارتفعت المطالبات بالسماح بقيادة المرأة للسيارة، وسالت أقلام الكتاب في تأييدها، ونوقشت توصيات بذلك... إلخ منذ التسعينات الميلادية، ولكنها لم تكن تنتهي إلى شيء، لأنها كانت تواجه بالتجريم والتضليل، وتصنَّف في خانة المروق بتعليلات مختلفة!
وعلى رغم ذلك، فإن اليقين في السماح بقيادة المرأة للسيارة، والتآلف معه، والقبول به، مسألة لا يمكن الشك فيها، بمنطق الاستدلال العقلي. وذلك أن خطاب الممانعة ينطوي في ذاته على تناقض يتدافع فيه الانتهاك والمحافَظَة، ويتضاد إعلاء الذات الاجتماعية والوطنية وإدناؤها. وهو ما يؤدي بالخطاب نفسه، ضمن سياق التطور الاجتماعي، إلى فقدان الحُجة والشعور بالحرج.
فلئن كان ظاهر خطاب الممانعة لقيادة المرأة للسيارة المحافَظَة، والفخر بهذه الصفة اجتماعياً ووطنياً، فإن مضمون هذا الخطاب انتهاك لما يعلنه، وباطنه ضد لما يفخر به؛ لأنه اتهام صريح لأخلاق النساء والرجال، وطعن في عفافهم وحشمتهم، وخشية مسبَّبة عن سوء الظن بهم جميعاً.
ولأنه خطاب ذكوري في مصدر تصوراته وفي مآلها ومقصدها، كانت المرأة وحدها مدار الممانعة، ومناط الانتقاص، ومكمن المخاوف والشرور. وكانت الثقل الأثقل في الثقافة الاجتماعية للعيب والعار، حتى غدا العار صفة للكناية عنها، إذا قيل للرجل "عارك" أي محارمك من النساء.
وإذا كان هذا الخطاب الذكوري المتحيز ضد المرأة، خارج المعقولية التي تأبى التمييز في المسؤولية والعقل والقيمة بين الرجل والمرأة، فإنه خارج الاستدلال بالدين الإسلامي "الذي أنصف المرأة وظلمها المجتمع والفقهاء" كما يردد بحق المدافعون عن المرأة. لكنه يتخذ سلطته من مخزون الثقافة المتأوِّلة للدين، والمنتحلة للمقولات، والطافحة بالأشعار والأمثال والقصص المهينة للمرأة والمشيطنة لها.
هذا الخطاب الذكوري، على الرغم من طغيانه، وتسَيُّده، لم يستطع نفي المرأة وطمس حضورها، طوال فترات التاريخ الإسلامي، وإن استطاع تحجيم دورها وفرض التخلف عليها خصوصاً في بعض الفترات. فمشاركة المرأة في الغزوات والحروب، وفي رواية الحديث الشريف، والحديث عن فقيهات وشاعرات، ورواية ملاحم شعبية عن بطولات نسائية خالصة كخولة بنت الأزور، والأميرة ذات الهمة، وزعيمات كشجرة الدر، وتأليف كتب في تراجم النساء، أو ورود تراجم للعديد منهن في كتب السير... إلخ أمثلة لحضور المرأة، وعلامات في سجل طويل على فعلها والإفساح لها في الواقع الاجتماعي.
ويعني ذلك، أول ما يعني، أن حضور المرأة أقل من حضور الرجل، لكنه يعني أيضاً أن حضور المرأة رغم قلته دليل على أن الثقافة الذكورية التي تنتقصها ليست محكمة النسج وليست بدهية أو طبيعية، وأن ازدهار المجتمع حضارياً وترقِّيه في العلم والوعي وشعوره بالقوة، في الفترات الأزهى من تاريخه، لم يكن يحدث من دون ارتفاع منسوب الحضور للمرأة، وهو العلامة الأدل دائماً على التقارن بين حقب الضعف والجهل والتخلف والفترات الأكثر تسلطاً ذكورياً.
ولا تختلف الممانعة لقيادة المرأة للسيارة المستمرة في المجتمع السعودي إلى هذه اللحظة، عن الممانعة لتعليمها في أغلب عقود القرن العشرين الميلادي، من حيث ارتداد كلتا الممانعتين إلى المقولات الذكورية التي تختزل دور المرأة في دائرة المنزل وبالارتهان لرغبة الرجل وإرادته، مع فارق في شأن السيارة بحكم حداثتها؛ فلا رصيد لمقولات في التحذير من قيادة المرأة للسيارة يشبه تلك الروايات "المدَّعاة" في التحذير من تعليم المرأة الكتابة وترقية منزلتها.
لكن المرأة تعلمت حين أرادت الدولة لها ذلك، منذ مطلع الستينات الميلادية، وكان تعليمها الذي فاقت به الآن شقيقها الرجل من بعض الوجوه، النافذة التي تكشَّفت من خلالها للمرأة وللمجتمع، وحشية الثقافة الذكورية ولا معقوليتها واستبدادها. وبعد أن أصبحت المرأة المتعلمة والعاملة -وبالتشارك مع الرجل- في مستوى الاستنارة والثقة والشجاعة النقدية، لم يعد ممكناً للثقافة الذكورية أن تستر عريها وأن تخبئ تناقضها وأوهامها التي حَمَلَتها على الطعن في أخلاق المرأة والرجل والإساءة للمجتمع.
وبوسع المرء الآن أن يلحظ تقدم الوعي بشأن حق المرأة في قيادة السيارة، في بعض التوصيات التي تقدَّم لمجلس الشورى بهذا الشأن، وفي عدد من المقالات التي تناقشه بحرية، وفي تداول الرأي أحياناً بشأنه في مجالس السعوديين الخاصة. فلم يكن الأفق بهذه الرحابة قبل عشرين عاماً، وربما كانت المطالبة به قبل هذا التاريخ تودي بصاحبها إلى التوقيف، كما كان السجن لستة أشهر، في الخمسينات الميلادية، مصير الأديب عبدالكريم الجهيمان ـ رحمه الله ـ حين نشر في صحيفته "أخبار الظهران" مقالاً يدعو إلى تعليم البنات.
وهذا التقدم في الوعي حدث، أيضاً، في خطاب الممانعة نفسه؛ فقد انحسر تعليق الممانعة على فتوى دينية أو حكم فقهي، وأخذ بعض الفقهاء يتشاركون مع بعض المسؤولين في نسبة المنع إلى المجتمع "المجرَّد". واضطرب موقف آخرين في البحث عبثاً عن علل بيولوجية وفسيولوجية في المرأة خلافاً للرجل، تجعل القيادة مضرَّة لها وتستدعي منعها منها. ومواقف التعليل هذه تدلِّل على حرج من الوقوف موقف المنع، بسبب ما ينطوي عليه مؤدَّاه من اتهام للعفاف وطعن في أخلاق المجتمع وانحياز ضد المرأة.
إن البراءة مما ينطوي عليه المنع من دلالات مسيئة، ليست في تحميله على علل متمحَّلة تخص المرأة دون الرجل، أو المجتمع السعودي دون غيره من المجتمعات، وإلا جمعنا إلى انتقاص المرأة انتقاص غيرنا من المجتمعات الخليجية والعربية والمسلمة والإنسانية، وجاوزنا بذلك العنصرية الذكورية ضد المرأة إلى العنصرية الشوفينية ضد غيرنا من المجتمعات والشعوب، وهذا ليس مقصودنا على أي حال. لذلك فلا براءة بغير التأييد لحق المرأة في قيادة السيارة، وكما كان قرار الدولة عام 1962، بإقرار تعليم البنات حسماً للحرج الاجتماعي آنذاك، فإن الأمل الآن، منعاً لحرج اجتماعي آخر، معلَّق على الدولة في إقرار حق المرأة في قيادة السيارة، وإصدار الأنظمة التي تصون حريتها وتحميها في ممارسة هذا الحق.