المحامي السعودي عبدالرحمن اللاحم حذر السعوديات من الحديث إلى الصحيفة، كما تقول صديقتي أريج الجهني - وهي محاضر في جامعة الملك سعود وتستعد لنيل الدكتوراه- وقالت أيضا: إن السعوديات هاجمن الصحيفة وأبدين اعتزازهن بمجتمعهن وبأولياء الأمور الذين يديرون حياتهن.
ومع ذلك فكرت وأريج تغادر مكتبي بالجامعة في أن هناك آلاف السعوديات لن يعبأن بما قاله اللاحم، ولن يبدين الاهتمام بنوايا النيويورك تايمز، وسيتحدثن للصحيفة ولغيرها بل لكل من يجد وقتاً للاستماع.
لقد قدمت الصحيفة رقماً كبيراً في تقريرها عن سؤالها، وقالت إن هناك 6 آلاف فتاة تقدمن بقصصهن إلى الصحيفة، وهو رقم كبير ويمثل نسبة عالية جداً! ولكن، وبعيدا عن هذا الرقم، دعوني أسرد قصة صغيرة لها علاقة كبيرة بهذا الأمر.
ذات يوم كنت مع صديقة أخرى هي أيضاً أستاذ في جامعة الملك سعود وهي الدكتورة أماني الغامدي نسير في شارع اسمه أكسفورد ستريت في لندن عندما ظهر أمامي فتاة وفتى سعوديان في معهد اللغة كانا يتأبطان ذراعي بعضهما البعض كإصبعين في كف واحدة، لكن رؤيتي كانت كفيلة بأن تمزقهما إربا، حيث هرب الفتى نحو الطريق والسيارات وهربت الفتاة لتصطدم بجدران الزجاج لأحد المحلات! وسقطت أماني تضحك وهي تقول: كأنما رأيا الهيئة فيك يا عزة.
شعرت بالحزن حقيقة لأسباب عدة. لم أقبل هذا التصرف من هذه الفتاة وتلبسني شعور والدتها ووالدها بل كل سعودي يرى الفتاة السعودية في قالب الفتاة التي يجب أن يكتب عليها ممنوع اللمس، ممنوع التجريب، ممنوع الحب وممنوع الحياة.
لقد صنعنا قفصاً ووضعنا فيه الفتاة السعودية ثم نسبنا إليها الشرف والطهارة، ولم نجعل سبب ذلك نابعا من ذاتها بل من هذا القفص الجميل. يقول الشيخ ابن منيع "ولا يخفى أن المرأة ضعيفة بنفسها قوية بمن هي في حفظه ورعايته".
الشيخ المنيع يمثل خطاباً سائداً في مجتمعنا، بل هو يمثل القاعدة التي ينطلق منها تفكير الناس حول المرأة، وهذا الخطاب هو الذي صنع كل هذه القيود في حياة المرأة السعودية والتي جعلها تحرم حتى مما كانت جدتها تتمتع به من حريات.. هذا القيد يتمثل في "حبسها حتى لا تخطئ".
لا تستطيع صنع إنسان سوي في قفص، بل ستصنع شخصا يفكر كل يوم في طريقة يهرب بها من القفص أو وسيلة ينفذ منها للحياة التي يجهلها، وعندها يأتي الخطأ فتسمع قصصا مثل "عامل يهدد طبيبة بصورها"، و"مراهق يستغل أستاذة جامعة ويجعلها تشتري له سيارة"، و"بائع يهرب مع سيدة متزوجة إلى اليمن"..
هؤلاء الفتيات حرمن من فرصة أن يكون ضميرهن نابعا من ذواتهن، من فرصة خلق معاييرهن وصناعة حدود ينطلقن من إيمانهن بها، لا أن يتصرفن وفق فلسفة غيرهن وحياته. ومن هنا تأتي التعاسة والكثير من الأخطاء.