هدف هذا المقال هو تحليل هذا المشهد: حديث بين شخصين: الطرف الأول يرسل مجموعة من المعلومات والأفكار للطرف الثاني والطرف الثاني يفعل ذات الأمر. لنتخيل أنهما يتحدثان عن مشكلة البطالة والحلول التي يمكن طرحها لحل هذه المشكلة. الطرف الأول يتحدث عن تصوراته الاقتصادية وكيف أن دعم المشاريع الصغيرة سيحل مشكلة البطالة. الطرف الثاني يتحدث كذلك عن تصوراته الاقتصادية وكيف أن الحد من استقدام غير السعوديين سيحل مشكلة البطالة. في أثناء هذا الحوار نسمع الطرف الأول يقدم عبارات من هذا النوع: "أرجوك لا تفهمني غلط"، "لا يعني هذا أنني ضد فكرتك"، "لا تعتقد أنني أحاول أن أفرض عليك أفكاري"، "مع الاحترام لوجهة نظرك"، "ما أظنك فاهم موضوعك"..إلخ.
في هذا المشهد يبدو لي أن هناك على الأقل مستويين من العلاقة بين الطرفين. المستوى الأول هو مستوى نقل المعلومات والأفكار من طرف إلى الطرف الآخر. المستوى الثاني هو التفاوض بين الطرفين على طبيعة العلاقة بينهما. هناك شخصيات واعية بهذين المستويين ولذا تجد الحوار معهم مشحونا بكافة المستويين. في المقابل هناك شخصيات تعطي بعدا أوسع وأكبر للمستوى الأول ولا يكاد المستوى الثاني يحضر. على كل حال المهمة الرئيسية هنا هي تحليل هذين المستويين وبيان الفرق والعلاقة بينهما. المستوى الأول يمكن أن نطلق عليه مضمون الحوار. أو المعلومات والأفكار التي يقدمها طرف إلى طرف آخر. هذا المستوى هو ما يتحدث عنه لافيناز باعتباره the said، "مضمون القول، ما يقال، أو كما يقترح الصديق عبدالرحمن مرشود: القيل". هذا المستوى مشغول بالفضاء المعرفي الابيستيمولوجي، هدفه الفهم والإفهام. في المقابل المستوى الثاني قريب من ما يسميه لافيناز بـsaying "القول، فعل القول أو العلاقة التي تؤسس إمكانية القول". المستوى الثاني مشغول بالفضاء الأخلاقي: تحديدا بالعلاقة بين الذات والآخر. هذا المستوى يراجع هذه العلاقة، يؤكدها، ويفاوضها باستمرار أثناء الحوار.
التفاوض المستمر أثناء الحوار قد يؤدي إلى احتمالات كثيرة منها: أولا أن التفاوض يظهر عناية واهتمام أطراف الحوار بالعلاقة التي تجمعهما. بمعنى أن هذا الطرف الذي يعيد تذكيري بظروف العلاقة بيننا مهتم بشخصي وبما يجري بيننا. مثلا حين يقول لي "إنني لا أريد أن أفرض رأيي عليك" يبدو على أنه يعتني بعدم حدوث هذا الفرض احتراما لحريتي وحقي في التعبير. في المقابل الخبرة تقول إن هذه العبارات قد تستعمل بوصفها عبارات لتغطية طبيعة ما يجري. بمعنى أن يكون أحد أطراف الحوار أو كلاهما على مستوى عال من الاحترافية مما يجعلكم تستعملون هذه العبارات للتأثير على الجماهير بينما هم في الحقيقة لا يعتنون بقيم الحوار أثناء الحوار. إذن الحالة الأولى من آثار عملية التفاوض تدفع باتجاه تعزيز الحوار ما دامت حقيقية وغير مزيفة. الاحتمال الثاني هو أن تكون هذه العملية التفاوضية مثارا لإرباك الحوار والمتحاورين، بسبب أن هذا التفاوض المستمر والمتكرر يشير إلى عدم رسوخ قيم العلاقة أو على عدم ثقة أطرافها ببعضهم أو بأنفسهم. بمعنى أن تأكيد أحد الأطراف المستمر بأنه لا يريد فرض رأيه على الآخر قد يثير عند الطرف الآخر هذا الموقف: أعلم أنك لا تريد فرض رأيك علي ولكن يبدو أنك لا تثق في حكمي وتقييمي. أو هذا الموقف: اترك التقييم لي فأنا يفترض من يحدد إذا كنت تريد فرض رأيك أم لا، نطقك لعبارة "أنا لا أريد فرض رأيي عليك" لن يحسم الأمر، الأهم هنا هو شعوري وتقييمي لعلاقتي معك. هذا التفاوض المستمر يؤثر سلبا على ثقة أطراف الحوار في بعضهم.
غياب المستوى الثاني في المقابل يشير إلى حالة دقيقة من محدودية العلاقة. بمعنى محدودية التواصل بين أطراف العلاقة كبشر بالمفهوم الكلي. العلاقة القائمة على نقل المعلومات من طرف إلى آخر علاقة يمكن وصفها بالعلاقة الاستعمالية أو الأداتية. هي في الحقيقة لا تهدف للتعرف على الطرف الآخر بل على تبادل محدود ومدروس لبعض المعلومات والمواقف. هذا المستوى ليس إشكالا في حد ذاته فهو من ضرورات الحياة ولكنه يصبح مشكلة إذا كان هو الأفق الوحيد المتاح. كذلك يصبح مشكلة إذا حجب إمكانية ظهور المستوى الثاني. الغرق في العلاقات الأداتية يعني حجب إمكانية التعرف على الآخر كآخر أي خارج شبكة أهدافنا ورغباتنا.
المقال كان محاولة للإطلال على مشهد تواصلي. مشاهد التواصل معقدة بطبيعتها لكن تحليلها قد يلفت الانتباه لنوع العلاقات التي تجمع أطراف العلاقات ودلالتها الأخلاقية. في المشهد السابق حاولت تحليل مستويين أو أفقين من آفاق الحوار: أفق معرفي معني بتبادل المعلومات وأفق أخلاقي معني بطبيعة العلاقة بين أطراف الحوار. المستوى الأول من ضرورات الحياة لكنه محدود بسبب وضعه الطرف الآخر ضمن إطار نفعي ذاتي. الوقوف عند هذا المستوى رغم استمرار التواصل يرفع احتمالات اختزال الآخر في الذات، وهذا بحسب لافيناز لب العنف. المستوى الثاني مثير للتأمل فمن جهة فهو إشارة إلى العناية بالآخر، ومن جهة أخرى قد يكون علامة على عدم الثقة بالآخر. ربما أعود لاحقا لمناقشة هذه النقطة بالتحديد: توتر العلاقة بين الذات والآخر بين الثقة وعدمها.