الدولة السعودية الحديثة في أطروحات بعض الوعاظ والكتاب ليست سوى (دعوة محمد بن عبدالوهاب)، بينما كل القراءات الدقيقة لتاريخ الملك عبدالعزيز منذ استعادة الرياض لأنها ملك آبائه قبل أن يولد محمد بن عبدالوهاب، وصولا إلى إعلان اسم (المملكة العربية السعودية) تؤكد أن (منطق الدولة) لدى المؤسس هو الحاكم على (منطق الدعوة)، وكلما حاول بعض الأفراد الخروج بمنطق الدعوة إلى مدى يتجاوز منطق الدولة فإن الملك عبدالعزيز يعيد ترشيدها إلى الإطار المحدد لها كجزء من المكونات الشعبية لدولة مترامية الأطراف بشكل يجعل من الطبيعي أن يوجد فيها السلفي والصوفي والشيعي الإثني عشري والإسماعيلي وغيرها من الأطياف التي لا يعني منطق الدولة الحديثة سوى تقديم الأمن والكرامة لهم، ورعاية احتياجهم بصفتهم مواطنين، لا بصفتهم سلفيين أو صوفيين أو سنة أو شيعة الخ.

دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب عاشت في كنف الدولة السعودية، ومن الخطأ أن يتوهم واهم أن الدولة السعودية تعيش في كنف الدعوة الوهابية، خصوصا أن منطق الدولة الحديثة المرتبطة بالحرمين الشريفين يحول دون اختزال الدولة في مذهب أو توجه عقائدي محدد يرى في نفسه امتيازا عقائديا يدعو للخصام والمفاصلة سراً أو علناً مع مليار ونصف المليار مسلم.

الدعوة ليست ضد الدولة، بل يجب أن تكون خادمة للدولة، فمحمد بن عبدالوهاب كان في حماية محمد بن سعود، ولم يكن محمد بن سعود في حماية محمد بن عبدالوهاب، والملك عبدالعزيز كان يعيش وفق معطى سياسي يتجاوز المفاهيم الضيقة التي قد يعيشها بعض من انتسب للدعوة، مما تضطره إلى معركة السبلة، ولهذا كان منطق الدعوة في البداية منطق ثورة، وقد استثمره جلالة الملك لتحقيق هذا التوحيد لا بالمعنى العقائدي، بل بالمعنى السياسي الذي يفخر به المواطنون السعوديون بكل توجهاتهم المذهبية والعرقية، وقائمة شهداء الوطن من الجنود في الأمن الداخلي والخارجي لم تستثن طائفة ولا قبيلة، وهذا كما يعلم كل ذي لب ليس من مكتسبات دعوة محمد بن عبدالوهاب، بل من مكتسبات دولة المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.

ثنائية الدعوة والدولة التي يتغنى بها البعض لا نرى فيها انسجاما مع منطق الدولة بقدر ما فيها من محاولة لشد موقف الدولة الملتزم بحق المواطن، إلى أرضية الدعوة التي تتأخر أحيانا كثيرة في اللحاق بمفاهيم الدولة الحديثة، ومنها مفهوم المواطنة الكاملة، كحق لكل سعودي من أي قبيلة أو طائفة ومذهب، وليس حقا مشاعا لكل سلفي من أي دولة وصقع، لنرى التسهيلات والدعم يمنح لكل سلفي بالمعنى الأممي من الهند وباكستان وبورما حتى كندا وأميركا، ويعجز عنها مواطن سعودي تراب الأرض يشهد أنه من رفات أجداده، فرغم أن الدولة حاولت استدماج الدعوة داخلها بتحويلها إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة، إلا أن الدعوة في كثير من الأحيان عجزت عن ضبط إيقاعها بما يتناسب ومعطى الدولة داخليا، والتزاماتها الدولية خارجيا، ليتحول الدعم السخي للدعوة إلى مبرر دولي للطعن في الدولة، وبدلا من أن تقوم الدعوة بالنقد الذاتي ومراجعة أدبياتها بما يتناسب ومفهوم الدولة الحديثة، فإذا بها عبر بعض أبنائها تريد أن تسوق الدولة لمغامرة سياسية غير محسوبة لمواجهة العالم، تحت مبررات عقائدية لن يتحمس لها مليار مسلم، ولن يسكت عنها ستة مليارات غير مسلم.

الإمبراطورية العثمانية انجرفت لمنطق إعلان الجهاد الشامل بين المسلمين لأجل عيون ألمانيا التي أغرتها بذلك، أملاً في كسر شوكة أعدائها روسيا وبريطانيا وفرنسا، ولكن الخصوم استعانوا بحركات جهادية مسلمة مناهضة للدولة العثمانية من داخل الدولة العثمانية نفسها، وما نراه حولنا يؤكد أن القوى العظمى تكرر لعبتها بحجم دولنا الصغيرة، ولعبة الإسلام السياسي سيف ذو حدين، إن سلمت من أحد حديه فلن تسلم من الآخر.

دعوة محمد بن عبدالوهاب ليست دعوة نبوة، بل دعوة بشرية للتجديد الديني، والتجديد في الدين كما أفهمه لا يترتب عليه سفك الدماء واستباحتها، والتماهي بين دعوة محمد بن عبدالوهاب وأنها نفس ما جاء به محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم- بالمطلق، غلو من بعض الأتباع لا يرضاه الشيخ المجدد لنفسه، فالوحيد الذي يحق له أن يقول إن دعوته هي نفس دعوة الأنبياء الأوائل وإن دعوته تخرج من نفس المشكاة التي خرج منها موسى وعيسى والنبيون من قبل، هو نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- المؤيد بالوحي، وما عدا ذلك فهو اجتهاد بشري غير معصوم يقبل الأخذ والرد والاعتراض والقبول، ويبقى الارتباط العقائدي بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب مقبولا كتنوع لن تضيق به الدولة، ولكن الدولة ستضيق عاجلا أو آجلا بأي دعوة دينية ترى في نفسها قيادة الدولة، ولهذا فسبب سقوط مرسي أنه تعامل مع المصريين ليس بصفته رئيس دولة، بل بصفته خادما لدعوة حسن البنا، ولهذا عجز أن يكون رئيس دولة لكل المصريين بقدر ما هو رئيس حزب للإخوان المسلمين، وجمهورية إيران تئن من ولاية الفقيه، فمنذ مهدي بازركان والحركات الإصلاحية داخل إيران تحاول التخفف حتى هذه اللحظة من الإرث الخميني الذي كبل الدولة أكثر من اللازم، رغم البنية البراغماتية التي اصطنعها الخميني في ولاية الفقيه.

أخيرا يبقى من حق الدعوة أن تجد في أبنائها من ينفض عنها القدامة ويعطيها روح التجديد، ولا يستطيع ذلك سوى المتجاوزين لما وجدوا عليه آباءهم الأولين، إلى ما وجدوا عليه زمنهم، وما زلنا ننتظر.