حضرت قبل موعد بدء ورشة العمل التي يديرها أحد أساتذتي السابقين، وهو أستاذ لطالب عراقي شيعي حضر مثلي مبكراً ونظر نحوي ببرود والأستاذ يحكي عن بعض المواقف الصغيرة لي معه عندما كان يدرسني. وعرفت أن تعامل هذا الطالب غير اللطيف هو مجرد أثر بسيط لتلك المعارك في الموصل وبعض المناوشات الكلامية بين السعوديين والعراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ذلك لم يشغلني كثيراً ليقيني أن الحق لا بد أن يظهر يوما، وسيدرك شيعة العراق أن عدوهم إيران وليس السعودية.

بعد دقائق دخلت فتاة بملامح خليط من الإفريقية والغربية وجلست أمامنا نحن الاثنين، فسألها الأستاذ عن اسمها فردت بصوت عال، وأضافت وهي تنظر نحونا بقوة "أنا من إزرائيل" نطقتها هكذا كأنما لتطيل وقعها علينا.

نظر العراقي نحوي كأنه يعيد ما قالته بعينيه، فابتسمت في داخلي وأنا أقول هل نحتاج لإسرائيل لنتذكر أننا في الهم عرب؟

على كل حال كان وجود تلك المرأة الإسرائيلية على نفس الطاولة مبعثاً للغضب من كل اتجاه، وربما ظهر ذلك على ملمحي كما ظهر على وجه العراقي، والذي ربما راودته (مثلي) فكرة أن يقف ويقول لها ليس هناك شيء اسمه إسرائيل بل هناك فلسطين، ثم يغادر، لكنه تصرف انهزامي يبدو أن كلينا لا يقبله، فنحن طلاب وجئنا للاستفادة ولن نخسر ما جئنا لنحصل عليه.

في الورشة لا أستطيع أن أقول إنه فاجئني، ولكن أثار تعجبي هذا الود البالغ الذي تبادلته الفتاة مع طلاب صينيين وكوريين وهنود، خاصة عندما تتحدث عن تجربتهم في إسرائيل، مما جعلني أشعر بالحزن قليلاً، وأتساءل: ألم يسمعوا عما تفعله إسرائيل بالأطفال الفلسطينيين؟ ألا يعرفون أنها لا بد كانت مجندة في الجيش الإسرائيلي الذي يهدم بيوت الفلسطينيين ويقتل الفتيات كل صباح وهن ذاهبات إلى المدرسة؟! لكني تذكرت موقفا مع زميل أرمني ذات يوم له علاقة بطريقة غير مباشرة مع ما سبق.

ذات يوم تحدثت أستاذة لدينا عن النظام الإداري في إسرائيل وامتدحته، فاعترض طالب أرمني على حديثها، وأخبرها أنه عمل في إسرائيل مدة عام، ويعرف أنها بلد مليء بالروس بعدما هرب اليهود الأوربيون إلى بلادهم التي جاء منها أجدادهم أو إلى أميركا، وأنه يتوقع ألا يبقى وجود لإسرائيل خلال الأعوام القادمة.

بعد المحاضرة شكرته على رده فرد: "لا تشكريني، لكني أود أن أجد من العرب من يقف مع حقنا كأرمن في تلقي اعتذار من تركيا على ما فعلته من إبادة وتشريد لنا".

في الحقيقة أننا نطالب العالم بالتعاطف مع الشعب الفلسطيني، لكننا أنفسنا لا نتعاطف مع الكثير من ضحايا الإجرام الدولي في العالم، أو ننسى أن نفعل ذلك.

لا يجب أن نكيل بمكيالين في مسألة حق البشر في الحياة العادلة حتى لو كان من اعتدى عليهم يدين بديننا أو يشاركنا الدم واللغة.

إن الأرمن وحقهم في الاعتذار التركي ليس المثال الوحيد، هناك الأكراد الذين عانوا كثيراً من ظلم ثلاث دول: إيران وتركيا والعراق، ويستحقون دعمنا ليحظى هذا الشعب العظيم بوطنهم المستقل على أرضهم، ولو دعماً شخصياً منا كأفراد بتغريدة أو مقال.