العلاقة مع الآخر تختلف عن العلاقة مع "الذات من خلال الآخر". العلاقة مع "الذات من خلال الآخر" يمكن ملاحظتها في البحث عما يشبه الذات عنده أو البحث عن إمكانية تحويله، أي الآخر، لما يشبه الذات. العلاقة الدعوية نموذج على ذلك، حيث يسعى الداعية لنقل أفكار يتبناها للآخر. الداعية يعتبر ناجحا إذا ساعد الطرف الآخر في تبني ذات الأفكار التي يتبناها هو، أي أن يجعل الآخر أكثر شبها به من خلال المستوى الأعلى من المشتركات الفكرية بينهما. العلاقة مع الذات من خلال الآخر تنشأ كذلك من خلال ظهور الآخر كفقرة في سلسلة المنفعة الذاتية. أي أن يحضر الآخر كطرف أو عامل في حسبة شخصية لتحقيق هدف ذاتي. مثلا حين أريد إصلاح جهاز كمبيوتري الشخصي فإن التقني الذي سيقوم بتلك المهمة يحضر أمامي في هذه الصورة: "الإنسان الذي سيصلح جهازي". نلاحظ هنا أن حضور ذلك الإنسان محدود في مهمة إصلاح جهازي. لذا يمكن اختزاله في كونه تقنيا، فهو لا يظهر أمامي إلا باعتباره تقنيا. وجوده هنا هو امتداد أو جزء من حسبة ذاتية خاصة. لا حضور لهذا الإنسان خارج هذه المهمة.
العلاقة مع الآخر في المقابل علاقة مع الآخر خارج حساباتنا الذاتية، أي خارج بحثنا عن التمدد من خلال خلق أشباه أو خارج بحثنا عن أدوات لتحقيق أهدافنا. التعبيرات التي نستعملها عادة لوصف الآخر هي الغريب والأجنبي والجديد والمختلف والمفاجئ.. الخ. هذه الأوصاف نستعملها عادة لوصف البشر أو لوصف الأفكار والأشياء. الإنسان الغريب والأجنبي هو إنسان لا يشبهنا من جهة ولم يدخل في حساباتنا النفعية حتى الآن. ماذا نفعل به حين يقبل؟ لحظة اللقاء الأول لحظة فارقة، لحظة تحديد مسار هذه العلاقة: هل أقتل هذا الغريب أم أرحب به أم أتجاهله؟ لفترات طويلة من عمر البشر كانت تجاهل الغريب ببساطة ليس خيارا باعتبار بساطة التشكيل الاجتماعي. الخيارات الأكثر احتمالا هي قتل الغريب أو الترحيب به. لذا فالتاريخ البشري يمكن تصوره بين حالتي الحرب والضيافة. قتل الآخر تعبير عن رفض الذات للوجود مع غيرها، لذا فهو مؤلم دائما ولا يكفي له أي تبرير حقوقي. قتل الآخر دائما مشهد مؤلم ومحزن مهما ارتفعت شعارات استحقاق الذات للقيام بما قامت به. الضيافة في المقابل ليست فقط قبولا بوجود الغريب، بل احتفاء وحماية لغرابته. إنها احتفاء وعناية بآخرية الآخر the otherness of the Other. بعض من فسروا قصر مدة الضيافة جعلوا السبب تنزيه الضيافة عن كونها إجراء لتوطين الغريب أو لإدماجه في النسيج الاجتماعي، أي إجراء في الاتجاه المعاكس للاحتفاء بآخريته، باختلافه.
لكن الضيافة بهذا المشهد الكلاسيكي هي شكل أو مشهد من مشاهد الضيافة. في الواقع أن في الآخرين الذين نعرفهم ونعيش معهم ونتواصل معهم يوميا ما هو غريب ومختلف وجديد ومفاجئ. من لديه أطفال يعايش بالتأكيد هذا المشهد: الطفل متجدد وينمو بسرعة، لدرجة أنه يفاجئ أهله بأفكار وشخصيات مختلفة باستمرار. إنه يحضر لهم كآخر بشكل مستمر. نحن هنا أمام مشهد لا أظنه يختلف نوعيا عن المشهد السابق. نحن هنا أمام ثلاثة خيارات على الأقل: الترحيب بما هو جديد ومختلف في هذا الطفل، إغلاق هذه النافذة ورفض هذا البعد الجديد أو تجاهل المشهد. الضيافة هنا ستتمثل في الترحيب بهذه الشخصية الجديدة أو هذه الفكرة الجديدة ورعايتها وحمايتها. الذي يمنعنا من هذه الضيافة هو ما نريده نحن تحديدا. حين يفاجئك طفلك صباحا برغبته في أن يكون موسيقيا فإن ما يدفعك لرفض هذه الفكرة هو أنك تريده أن يكون شيئا آخر، أو كونك تعتقد أنه لا مجال له للنجاح في هذا المجال بناء على تصورك الشخصي عنه. كل هذه الحسابات تقاوم الجديد والغريب والمفاجئ. العوامل المجهولة دائما ما تربك الحسابات الدقيقة.
المشهد كذلك يمكن مده لعلاقة الذات بـ"الآخر فيها". أي علاقة الذات بما هو غريب ومختلف وجديد فيها. نلاحظ أحيانا مشاهد أو مشاعر أو أفكارا شخصية تفاجئنا وتربك معرفتنا لذواتنا. هنا الآخر فينا يطل للخروج. لنتخيل الآن إنسانا سخر حياته للعمل في شركة تجارية. هو يحب هذا العمل ويرى أنه الوجود الذي اختاره لذاته، في يوم من الأيام يشارك لأسباب عملية في عمل خيري تشارك فيه الشركة، هذا العمل الجديد يربكه ويدخله في فضاءات جديدة ومختلفة وغريبة، يجد في ذاته اتجاها لهذه النافذة الجديدة المفتوحة على المختلف بالنسبة له. العمل مع المحتاجين يجعله يعيش في فضاء آخر.. إنه ينتقل من "الوجود من أجل الذات" إلى "الوجود من أجل الآخر". هذا الباب المفتوح أمامه يجعله أمام خيارات مشابهة للخيارات السابقة: إما أن يرحب بذاته الجديدة أو أن يغلق النافذة ويئد الآخر في مهده أو أن يتجاهل النافذة ويدير وجهه للجدار القديم.
يبدو أن فكرة المقال هي كالتالي: الضيافة أو الترحيب بالآخر والعناية به تبدو كحدث، يظهر لنا وسط كل علاقاتنا حتى في زخم الحياة اليومية المشغولة بقضاء الحاجات الذاتية، أنها لحظات تشبه ابتسامة ونظرة في وسط الزحام.. قد نلتقطها ونعيش معها ولها، وقد تتسرب بين المارة ونستمر نحن في ذات الطريق المعتاد.